الأحد - 26 أيلول 2021
بيروت 24 °

إعلان

شهادتي كحيٍّ بالصدفة في انفجار 4 آب: المدينة، الأَهراءات، الميسيسيبي

المصدر: النهار
جهاد الزين
جهاد الزين
Bookmark
مرفأ بيروت ("النهار").
مرفأ بيروت ("النهار").
A+ A-
منذ أصبحت بناتي بشكل نهائي خارج لبنان كنت قد حذفتُ حرب 1975 - 1990 من جهاز التعداد ومحطاته في ذاكرتي. في الحقيقة "شطبتْ" تلك الحربُ نفسَها أو سقطتْ هي من فجوة تدريجياً في أسفل الذاكرة. أعادها إليّ، جسداً ومشاعر وأفكاراً، انفجارُ 4 آب. كان يمكن أن أكون أحد قتلى الانفجار، مثل كثيرين. أنا أو رغدا زوجتي. كنتُ أجلس على مقعد في زاوية غرفة مكتبي في البيت أقوم برياضتي اليومية وهي تحريك دواسات دراجة ثابتة بلا عجلات وإذا بالانفجار الأول القوي يحصل وشاهدتُ رغدا تركض من غرفة مجاورة نحوي لتسألني مذعورةً ما هذا الانفجار قلت لها وقد حضرت في ذهني بعض "خبرات" الحرب الأهلية أن تبتعد عن الشرفات وأنه على الأرجح قذيفة أو صاروخ من طائرة إسرائيلية على هدف ما في بيروت أو الضاحية. لم يكن "سيناريو" المرفأ أو شيء يتعلق بالمرفأ ليحضر في ذهني على الإطلاق. وفي ما كنا نلملم ارتباكَنا الأوّليَّ وقع الانفجار الثاني فشعرتُ أن شقتنا، ومعها كل البناية، تتمايل بشكل مرعب كأنه زلزال.ثم سمعنا انهيار زجاج قريب تبيّن لاحقا أنه سقط على الكرسي التي كانت تجلس عليها رغدا أمام مكتبها الصغير في غرفة النوم نفسها بينما أعمل أنا عادةً في غرفة المكتبة. ها نحن إذن ننجو من أذى محتّم. لم ينفجر الزجاج المواجه لي على بعد بضعة أمتار ورغدا لم تكن جالسة على مكتبها وإلا كنا لا زلنا ننظف شظايا الزجاج المنفجر من جسدها إلى اليوم أو ربما من جسدي. هذه لحظة حرب إذن من تلك التي تَشارَكْنا فيها منذ تزوجنا عام 1977 ، هي عروس دمشقية اختارت أن تلتحق بالشاب اللبناني الآتي من حرب ضروس والعائد إليها وأنا أشقّ طريقي صحافيا ومحاميا متدرجا قبل أن أحسم تردّدي مرغماً بين المهنتين. بدأ الأطفال يضيئون حياتنا، عزة وديالا ومروى ولكن مع كل ولادة جديدة كانت السعادة تتداخل مع الخوف على المصير وتزيد التهاب المشاعر وقد أصبح لبنان مجتمع حرب. شعرت في تلك اللحظات من انفجار 4 آب أنني عدت إلى المسلسل اليومي القديم. عادت ماكينة المقارنات تعمل على عدّاد الحرب: ماذا لو وقع الانفجار ذات يوم من عام 2017 وكنت بناء على اقتراح ابنتي عزة الآتية من ملبورن بدعوة من منظمة لبنانية لإلقاء محاضرة في مجال علاقة الفنون بالهوية قد رافقتها في جولة على عدد من صالات عرض اللوحات الفنية التي أخذت آنذاك تتكاثر في المحيط القريب جدا للمرفأ وعلى مسافة أمتار من مداخله.  عَلِمْنا ككل اللبنانيين والكرة الأرضية لاحقا أن نيترات الأمونيوم كانت موجودة في أحد المستودعات على مرفأ بيروت منذ العام 2014، فماذا كان يمنع أن تنفجر ذلك اليوم عام 2017 أو غيره وتبيدني مع ابنتي فيما نحن في جوار...
ادعم الصحافة المستقلة
اشترك في خدمة Premium من "النهار"
ب 6$ فقط
(هذا المقال مخصّص لمشتركي خدمة بريميوم)
إشترك الأن
هل أنت مشترك؟ تسجيل الدخول
الكلمات الدالة

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم