.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يفتتح مساء اليوم السبت معرض "رسوم تركت أثرًا" في "متحف نابو" – شكا، الهري. في سياق التعريف بقدرات الرسم في نتاج مختارات من اعمال الرواد والمحدثين والمعاصرين الذين عرفتهم فنون بيروت طوال اكثر من مئة عام.
يروي "متحف نابو" شذرات من فصول حكايات الرسم، من خلال استعادة ملامح الأزمنة الفنية لتمارين الرسم التي تغلغلت في تيارات الفن في لبنان واتجاهاته، خلال ما يزيد على المئة عام، أي استعادة مظاهر التجارب المتعاقبة التي تحول فيها الفنان من راصد الى مبتكر. فالرسمLe Dessin كما وصفه جان اوغست دومينيك آنغر هو فن غير قابل للخداع ولا سيما ان المناهج الفنية، التي كرستها الدراسات الاكاديمية في فنون القرن التاسع عشر، اعتمدت على تقنيات صارمة في محاكاة الطبيعة، على اعتبار ان الجمال هو الحقيقة الآتية من مقترب الواقع. هذا ما نلمسه في رسوم داوود القرم حيث تبرز بوضوح النزعة التقنية الصارمة لمسالك "Ecole de bon sens" التي رسخت سمات العقلانية الكلاسيكية في الدراسات الجمالية للعلوم التشريحية وتقاليد قطف ايقاعات توزيع النور والمنظور والتأليف الفني. كثيراً ما تبدأ عادات الرسم منذ سنوات الطفولة، وهذا ما يستدعي غالبا إزاحة الستار عن سر ما، عن تنقيب في يد الفنان وما اختزنته من خبرات وتمارين وألفة وتحولات في الأسلوب والرؤى. اللافت ان معظم تجارب الرسم بدأت بأقلام الرصاص، مما يقودنا الى الحديث عن الأثر الكبير الذي تركه اختراع قلم الرصاص في العام 1795 على يد الفنان والفيزيائي الفرنسي نيقولا جاك كونتيه (1755- 1805)، ولا سيما بعد رواج استخدامه في رسوم دفاتر الرحالة والفنانين المستشرقين في القرن التاسع عشر. ذلك ما يكشف لنا جلياً أبرز الاسرار التي ساهمت في اكتشاف الاب ميدتشي لموهبة داوود القرم التي تجلت منذ الصغر، من خلال اطلاعه من طريق المصادفة على مجموعة رسوم انجزها القرم بقلم الرصاص والاقلام الملونة، قبل ان يتعرف إلى الرسام الإيطالي جيوستي الذي شجعه على السفر الى روما في العام 1871 للدراسة في الاكاديمية الملكية للفنون الجميلة، التي كان يديرها الرسام والنحات روبرتو بومبياني (1821 -1908). في تلك المرحلة غاص القرم في مباحث الدراسات التشريحية المعمقة التي دخلت في صلب مبادئ العلوم الفنية الكلاسيكية وقيمها الجمالية القائمة على الصدق في المحاكاة. هذا ما ساهم في بلورة شهرة داوود القرم كأول فنان كلاسيكي بارع قادم من الشرق.
رافقت استخدام قلم الرصاص وقلم الفحم اسرار أخرى كشفت عن ابعاد لحكايات مشابهة شملت مواهب العديد من الفنانين الرواد والمحدثين. في هذا المجال يروي المؤرخ يوسف إبرهيم يزبك ان الرسوم الفحمية الأولى لحبيب سرور التي انجزها حين كان يعمل في فتوته في محل تجاري كان يملكه الكونت نصر الله دي طرازي في مرسيليا، لفتت انتباه السيد اميل غوجان وزوجته هلين. وهما بدورهما اقنعا الكونت بأهمية موهبة سرور وبضرورة ارساله الى روما لتلقي أصول الرسم والتلوين.