الإثنين - 20 أيار 2024

إعلان

فيلم - "ليالٍ بلا نوم" لإليان الراهب: بحثا عن هوية وعن وطن

يوليوس هاشم
A+ A-

الجميع يمضي ليالي بلا نوم، ظالماً كان أم مظلوماً! ظلم الآخرين يتسبب بالأرق، والتعرّض للظلم يتسبّب بالأرق، وتصوير فيلم عن موضوع الحرب والظلم كذلك يؤدّي إلى "ليالِ بلا نوم"!


المخرجة إليان الراهب لا تكفيها الأمور السهلة، بل تسعى دائماً إلى الأعمق، والأعمق يتطلّب جهداً وتعباً أكثر. شريطها الوثائقي الجديد "ليالِ بلا نوم" تطلّب ثلاث سنوات لإنجازه. فكرة الفيلم انطلقت حين قرأت إليان اعترافات أسعد الشفتري عام 2002، وفيها أجاب عن بعضٍ الأسئلة التي لازمتها بعد انتهاء الحرب الأهلية. "قرأت شهادته لكني أردت معرفة المزيد عنه وعن تجربته خلال الحرب اللبنانية؛ كيف أنّ إنساناً عادياً يستحيل مقاتلاً ومخططاً للحرب ويعود لحظة إعلان السلم إلى نقطة البداية، مواطناً عادياً".
شخصية أسعد الشفتري ليست في مواجهة نفسها فحسب، ولا الماضي فحسب، بل في مواجهة قصّة حيّة مفتوحة على الماضي، هي قصّة ماهر سعيدي الذي فُقد عام 1982 حين كان يقاتل في صفوف الحزب الشيوعي اللبناني، وبقي ماهر المفقود موجوداً في يوميات أمّه مريم التي لم تتوقّف عن البحث عنه.
مئة ساعة مصوّرة تم اختصارها في ساعتين وثماني دقائق نتابع خلالها بحثا عن أسئلة كثيرة معلّقة، أسئلة عن مصير المفقودين، مصير أهلهم، مصير من تسبّب بفقدانهم، مصير الجيل الجديد الذي تربّى على أيدي مقاتلين سابقين... البعض يعتبر أنّ أخبار الحرب وتفاصيلها يجب أن تُطمر كي نستطيع أن نعيش مرحلة جديدة لا علاقة للحرب بها، أمّا إليان فتؤكّد أنّ هذا الأمر غير ممكن قبل أن نضع التفاصيل أمامنا ونواجهها ونتكلّم عليها بوضوح، عندئذٍ نبدأ التفكير بالمصالحة والمسامحة. "المسؤولون عن الحرب قرروا في لحظةٍ معينة أن ينهوا الحرب بمنطق "عفا الله عمّا مضى"، وتركوا المتضررين الحقيقيين من الحرب غارقين في جروحهم وآلامهم! وأؤكّد لك أنّ المتضررين هم الأكثرية في لبنان، وليسوا بضعة أشخاص فقط". وتشير الراهب إلى أنّ الأذى النفسي كبير على الضحايا تماماً كما هو على المقاتلين، ولا مصالحة قبل اللقاء بين المقاتلين وضحاياهم، مع كلام يريح ضمير المقاتلين وقلوب الضحايا. "ليش بيصير في فتنة بين الناس؟ لإنّو بلحظة بيرجعو الناس لمرحلة الحرب وبيوعى فيُن كل الوجع والقهر اللي بعد ما واجهوه".
على قدر ما يحتاجون إلى التعبير والكلام يجد اللبنانيون صعوبة بالغة في التعبير عن موضوع الحرب وتفاصيلها. وتخبر إليان عن مدى صعوبة أن تجمع في لقطة واحدة أمّ شخص مفقود ورجلا كانت له يدٌ في فقدانه.
بعد ساعتين يخرج المُشاهد ضائعاً حائراً مرتبكاً "مخضوضاً" يعيد حساباته كلّها، فما هي حال إليان الراهب التي أمضت ثلاثة أعوام "تبرحش" في هذا الموضوع، ورأت التفاصيل وجهاً لوجه وواجهت مواقف ربّما أقوى من تلك الموجودة في الفيلم؟ "أنا عشت ليالي بلا نوم، ووجدت نفسي متورطة في القصة فلم أعد مجرّد مخرجة أنظر إلى الأشخاص من خلال العدسة" تقول. وتشرح أنّها كانت تنوي أن تقدّم بورتريه عن أسعد وعن مريم، وأن تجيب عن بعض الأسئلة التي كانت تراودها، لكنّها ما لبثت أن شعرت أنّ عليها مسؤولية البحث عن ماهر سعيدي، البحث عن هوية ضائعة وعن وطن ضائع. إصرارها لم تقف أمامه أبواب تُقفل في وجهها، أو خوف الآخرين من الكلام، أو غضبهم وصراخهم ورفضهم، فأوصلها هذا الإصرار إلى إيجاد مقبرتين جماعيتين!
من النتائج الإيجابية للفيلم بعد عرضه في ذكرى الحرب الأهلية، أنّ أهالي المفقودين و"المفكرة القانونية" استخدموه أمام القانون اللبناني كدليل على وجود مقبرتين جماعيتين، والآن تقام الإجراءات القانونية لنبش تلك المقابر. كما عرض الفيلم في الجامعة اللبنانية، كلية العلوم، أي حيث جرت المعركة المذكورة في الفيلم عام 1982، وصعق التلاميذ عند اكتشاف هذا التاريخ وهذه الحقائق التي تخص حرم الجامعة حيث يدرسون ويمضون معظم أوقاتهم، فمعظمهم كان يجهل كلياً هذه الحوادث.
حتى الآن، لمست إليان من خلال العروض التي قُدِّمت أن الفيلم يثير جدالاً حاداً بين المشاهدين، وينكأ الجروح التي لم تندمل والتي تسببت بها الحرب الأهلية. "غالباً ما يكون النقاش عاطفياً، وبالنسبة إليّ هذا منطقي جداً، فنحن لم نعط موضوع الحرب المساحة اللازمة. لا نزال نتألم نتيجة الماضي الدامي، ولا نتعامل مع الأمر من منطلق المسؤولية التي نتحملها تجاه هذه الحوادث".
جدير بالذكر أنّ الفيلم عرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان سيباستيان الدولي، وعربياً في مهرجان دبي الدولي، وشارك في مهرجانات عديدة في الولايات المتحدة، وحاز جائزة أفضل وثائقي في مهرجان "بيردز أي فيو" في لندن، بالإضافة إلى جائزة النقاد المصريين لأفضل فيلم في مهرجان الإسماعيلية في مصر.
أمّا عرضه في لبنان فسيكون إبتداءً من 10 تشرين الأول في سينما متروبوليس، في vox cinema، وفي زحلة وصور.

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم