الأحد - 25 شباط 2024

إعلان

"طلٌّ وشرر" لرغيد النحاس: العرس المتنقل

بسّام فرنجيّة
"طلٌّ وشرر" لرغيد النحاس: العرس المتنقل
"طلٌّ وشرر" لرغيد النحاس: العرس المتنقل
A+ A-

كتاب الأديب رغيد النحّاس "طلّ وشرر"، هو نظرة شموليّة تأمليّة وتحليليّة في الناس والحياة والأشياء. هذه البانوراما الواسعة بمادّتها الحياتيّة وأبطالها العاديّين من الذين يعرفهم ومن الذين لا يعرفهم، تمثّل السيرة الذاتيّة والثقافيّة والفكريّة والفلسفيّة والاجتماعيّة والفنيّة والسياسيّة للكاتب، كما تمثل إيديولوجيّته وقيمه ونظرته إلى الحياة والأشياء، إضافة إلى ما تمثّله من جماليّة في أدبه.


الكتاب خليط غنيّ من تجارب الحياة التي عاشها الكاتب، ويحمل عصارة قلبه وفكره وأدبه، وخلاصة تاريخه الشخصيّ وتجاربه وسفراته ومراقبته للناس والمدن والشوارع، وأحاديثه عن النساء والشعراء والمطاعم والجبال والأنهار، والغربة والاغتراب، وحبيبته الأثيرة، والنساء اللواتي أحبهنّ في حياته، ودمشق وبيروت والقاهرة وسيدني ومدريد. الكتاب عرس متنقّل بحقّ، من الشعر إلى السياسة، ومنها إلى الفلسفة والأدب، ثم إلى السفر والمقابلات والدراسة والسياحة، ويتحدّث عن الوقائع السياسيّة والاجتماعيّة، العربيّة والعالميّة، بدءاً من عصر النهضة العربيّة وانتهاء بغزو العراق، وبداية الربيع العربيّ بثوراته وعدم وضوح معالمه.
في صفحات تحليليّة مهمّة يناقش رغيد النحاس أهمّ الحوادث السياسيّة في تاريخ العرب الحديث وفي مقدمها سقوط المشروع العربيّ القوميّ واندحاره بعد هزيمة العرب الكبرى في حرب حزيران 1967، والعجز الضخم والخلل الهائل الذي انكشف في الحياة العربيّة إثر الهزيمة في الجوانب كافة، وعلى كل المستويات. لا يقف الكاتب عند التاريخ السياسيّ والثقافيّ في العالم العربيّ بل يتعداهما بفكره العلميّ السياسيّ إلى أوستراليا وأميركا. وينتقد رئيس الوزراء الأوستراليّ جون هاورد على طريقة تعامله مع الإدارة الأميركيّة ويستنتج أنّه رجل مسلوب الإرادة، ومتناقض مع القيم التي يدعو إليها، وأنّه لا يملك عقيدة لتصدير الديموقراطيّة. لكنّ الكاتب لا يتوقّف عند موضوع بعينه، بل يأخذنا معه في جولة ممتعة أخرى في أرجاء غابته الواسعة الخضراء. يحدّثنا عن الشعراء والأصدقاء والأدباء الذين التقاهم، وجلساته معهم وأحاديثه إليهم. وهي أحاديث متنوّعة ونقاشات غنيّة بدءاً من مفهوم الشعر والأدب، مروراً بالظلم الاجتماعيّ والظلم السياسيّ الذي يسود العالم، ونفاقه. ويفرد مقالاً منفصلاً عن كل صديق من الأصدقاء الذين اختارهم. في مقالته "التانغو الأزلي" يحكي حكاية ممتعة وحزينة عن مراقبته الدقيقة لرجل اسباني عجوز لا يعرفه، بل كان يشاهده كل مساء في أحد مطاعم الفندق في اسبانيا، حيث كان الكاتب يمضي فيه أسبوعاً مع زوجته. أثار هذا الرجل الاسباني العجوز اهتمامه، إذ كان يراه كلّ مساء يجلس إلى طاولة من كرسيّين اثنين، ويفتح زجاجة نبيذ ويملأ كأسين، كأسا له وكأسا لشخص وهميّ يشاطره المائدة. فلا رفيق له. ولا يوجد شخص ثان معه، ويفعل هكذا كلّ مساء. وحين جاء أحدهم يحاول أخذ الكرسيّ الشاغر من طاولته، استشاط غيظاً، وتمسّك بالكرسيّ الشاغر. بعد العشاء، وحين يبدأ الناس يرقصون على أنغام التانغو، كما هي العادة في ذلك المطعم، ينهض الرجل العجوز ويرقص مع الراقصين، ويراقص امرأة، ويضع يده على خصرها، وينسجم مع تحرّكات جسدهاـ إلا أنّ المرأة لا وجود لها في الواقع. إنّه يراقص امرأة وهميّة. وكم حزينة هذه القصّة وكم تترك أثراً عميقاً في نفسيّة القارئ وذهنه. فلا بدّ أنّ حبيبته ماتت، أو رحلت، لكنّه لا يريد أنْ يصدّق الواقع، وبقي يملأ الكأس لها، على مائدة العشاء، يرقص لها، ومن أجلها، ومعها، وينتظرها حتّى تعود.
يخصص الكاتب مقالين منفصلين عن علاقته بالأديب والناقد الفلسطيني نويل عبد الأحد الذي كان مغترباً في الولايات المتحدّة، وهو ناقل كتاب "النبي" لجبران خليل جبران إلى العربيّة. يحكي عن المكالمات الهاتفية الأسبوعيّة التي كان يتحدث فيها مع نويل، يتناقشان فيها بشتّى الموضوعات الأدبيّة، والثقافيّة، والفكريّة، والشعريّة، والترجمة، ويبحثان مواضيع العالم العربيّ ومشكلاته، ويرسمان سيناريوات الحلول. كان هذا التواصل بين الصديقين ذا أبعاد عميقة على الصعيد الفكريّ والنفسيّ والروحيّ، يستمدّ منه الكاتب القوة الروحيّة والنفسيّة من صديقه الأديب، ويخرج بروح جديدة معمّدة بنفحات الشعر والحبّ والصفاء. كان نويل، الذي يسكن في ولاية أريزونا، التوأم الروحي والفكري للكاتب الذي يقطن سيدني، رغم المسافات الهائلة بين أوستراليا والولايات المتّحدة.
الكتاب هو مرجع مهمّ لحوادث سياسيّة واجتماعيّة، وإنارة لوقائع مصيريّة عربيّة سياسيّة وثقافيّة وتاريخيّة وفكريّة في تاريخ العرب الثقافيّ والأدبيّ في الخمسين سنة الماضية. فالدكتور رغيد النحّاس شخصيّة عربية أصيلة متميّزة، وتاريخه الثقافيّ شاهد على ذلك. وهو قدّم الكثير كي ينير درب الآخرين من أجل أنْ يؤدّي مهماته في الكتابة والحياة والنشر والتأليف والترجمة بتواضع الشيخ المتصوّف. وهو معروف لدى ذوي الاختصاص، في أدبه كما هو معروف في ترجماته، وفي عمله كناشر وكاتب. إنّه مؤسس مجلة "كلمات" وصاحبها ورئيس تحريرها. كانت تصدر باللغتين العربيّة والإنكليزيّة من أوستراليا وإلى العالم، وكانت واحدة من أبرز معالم الثقافة العربيّة الحديثة، وقد لعبت دوراً رياديّاً في تعريف العالم الغربيّ بالأدباء العرب، كما لعبت دوراً مماثلاً في نقل هذه الثقافة العربيّة عبر الترجمة إلى العالم، وفي الوقت نفسه، قامت بتعريف العالم العربيّ بكثير من الأدباء الأوستراليّين والغربيّين.


■ أستاذ العربيّة وآدابها في كلية كليرمونت مكينا، كاليفورنيا.

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم