القضاء هو حصن الدولة وهيكلها
Smaller Bigger

انه الصراع الابدي بين العدالة والتحكم بها، بين النفوذ والدولة، بين قوة الحق وقوة الامر الواقع، فيمسي المعيار الأساسي لتحديد مدى قدرة الدولة وفاعلية مؤسساتها، ضرورة معرفة قوة السلطة القضائية فيها، قوة تستمدها من الهيبة الرادعة والمحاسبة دون تفرقة.

لم تُخفَ على أحد المحاولات الحثيثة التي مارستها السلطة على مرّ عقود من الزمن، للهيمنة على قرار العدالة في لبنان، لما في ذلك خير مصالحها الخاصة وسياساتها وازلامها، فلاقت هذه الممارسات صدىً إيجابياً لدى بعض ضعفاء النفوس دون ان تخلو الساحة القضائية من المؤمنين برفعة رسالتهم.

استعملت السلطة، التي اختلفت القوى الآمرة فيها باختلاف القوى السياسية الاجنبية والمحلية المهيمنة عليها على اختلاف الحقبات، مختلف الأساليب لترويض القضاء، فكان الترغيب بمراكز رفيعة والترهيب بملفات دسمة سيدَيّ الموقف، فاستُعمل القضاء لتصفية حسابات سياسية حينا او للإفلات من العقاب حينا آخر.

ان هذه الممارسات ألقت حتما بثقلها على منسوب ثقة المواطن بمؤسسة القضاء فبقي هذا المنسوب آيلا الى الانخفاض بدليل اللجوء الى المحاكمة الدولية في استشهاد الرئيس رفيق الحريري عام ٢٠٠٥، وصولا الى ارتفاع الأصوات حاليا للمطالبة باللجوء الى المحاكمة الدولية في جريمة انفجار مرفأ بيروت، والمفارقة الداعية للسخرية هي ان القوى السياسية لا تنفك تعلن عدم ثقتها بالقضاء اللبناني وفي الوقت عينه تتخلف عن القيام بما يلزم لتأمين فاعليته واستقلاليته، اقلّه وأهمّه نفض الغبار عن مشاريع قوانين استقلالية السلطة القضائية التي كانت قابعة في ادراج مجلس النواب على مدى دهور.

هكذا صنّفت السلطة السياسية المراكز القضائية ولا سيما الجزائية منها، كإحدى مغانم الدولة فوزّعتها في ما بينها وفقا لمحاصصة طائفية مقيتة، اسوة بكل مغانم الوطن، وذلك تحت حجج واهية هي ابعد ما تكون عن الفكر الوطني المؤسساتي، فأمست هذه المراكز القضائية امتدادا لنفوذ السياسيين وذراعا لهم، مما زاد في ارتهان القضاء وتبعيته وزاد الهوة بين ثقة المواطن واهل العدالة. هذا من جهة.