السبت - 04 شباط 2023
بيروت 15 °

إعلان

لماذا تهتم روسيا بشبه جزيرة القرم؟

يوسف مرتضى
A+ A-

في العام 2008 كانت ردة الفعل العسكرية الروسية فورية على تدخل جورجيا في أبخازيا وأوسيتيا الشمالية إثر مقتل جنود روس من قوة حفظ السلام بين جورجيا وأبخازيا على يد جنود جورجيين، ومن بيجينغ التي كان يزورها فلاديمير بوتين كرئيس للحكومة الروسية صدرت الأوامر برد الجيش الجورجي على أعقابه بالقوة المسلحة.


أما اليوم، في حالة أوكرانيا، فقد مرت أيام قبل أن تتخذ القيادة الروسية أي إجراء ضد ما سمّته الإنقلاب بالقوة، وذلك لتحميلها المسؤولية الأولى عمّا حصل للرئيس الموالي لها يانوكوفيتش من جهة واتهامه بالخضوع للضغوط الأوروبية والأميركية نتيجة ابتزازه بأمواله وأموال إبنه في المصارف السويسرية والإنكليزية والأميركية التي تقدر بملياري دولار، نتيجة عمليات غير مشروعة في تجارة الفحم الأوكراني وسواه، ومن جهة ثانية لارتباك وتردد القيادة الروسية في اتخاذ قرار محدد لوجود اقتناع عند بوتين تحديداً بأن التصرف حيال أوكرانيا الأوروبية سيكون له تداعياته غير المرئية والخطيرة في العلاقة مع الغرب الأوروبي ومع الولايات المتحدة الاميركية لا بد لموسكو من أن تدرسها جيداً قبل الإقدام على أي خطوة عملية.
إن الرئيس بوتين وقع تحت ضغط الكتل النيابية المعارضة في مجلس الدوما لإتخاذ موقف يحفظ فيه كبرياء روسيا الدولة العظمى ومصالحها. فلجأ، وفق المادة 102 من الدستور، من مجلس الشيوخ الروسي الى طلب الموافقة على استخدام القوة العسكرية في أوكرانيا. ومن جهة أخرى أراد بوتين من خلال هذا القرار توجيه رسالة للغرب بأنه حاضر لمثل هذا الخيار من ضمن الأصول الشرعية والدستورية لإدارة الدولة الروسية، وأن موقفه جاء تلبية لطلب رئيس حكومة شبه جزيرة القرم ذات الحكم الذاتي سيرغي أكسيانوف الموالي لروسيا والذي كان أطاح اخيراً الحكومة الموالية لكييف.
ما هي احتمالات تطور الأوضاع في أوكرانيا في ضوء القرار الروسي وردود الفعل الغربية والأممية عليه؟
إن كانت عين روسيا بالتأكيد على كل أوكرانيا، إلا أن تصريحات القيادات الروسية وبعض خطواتها العملية على الأرض لم تتجاوز شبه جزيرة القرم، وتتركز تحديداً على حماية أمن المواطنين الروس في هذه المنطقة، وكذلك في المناطق الشرقية من أوكرانيا، وبخاصة في مدينتي خاركوف وكراسنودار بغالبيتهما الروسية.
لكن لماذا هذا الاهتمام الروسي بشبه جزيرة القرم؟ شبه جزيرة القرم هي جزء من روسيا الإتحادية تاريخياً، إلا أن خروتشوف الذي تولى السلطة بعد ستالين في العام 1953 وهو من أصول أوكرانية أهدى شبه جزيرة القرم إلى أوكرانيا وأعاد إليها التتار الذين كان ستالين هجّرهم منها إلى سيبيريا وأوزبكستان.
تبلغ مساحة شبه جزيرة القرم 27 الف كيلومتر مربع ويبلغ عدد سكانها حوالى مليوني نسمة. 58% منهم من أصل روسي و28% أوكران و12% مسلمون تتار، والباقون من الأقليات البولونية، والآذرية، والروس البيض، وغيرهم.
شبه جزيرة القرم غنية بالمعادن، والنفط والغاز، والفحم الحجري والنحاس، ويقع فيها أهم مرفأ على البحر الأسود وهو مرفأ مدينة سيفاستوبول الذي يتموضع فيه الأسطول الروسي. وتقع فيها يالطا إحدى المدن التاريخية التي جرى فيها توقيع المعاهدة الشهيرة بين ستالين وروزفلت وتشرتشل في شباط من العام 1945.
وشبه جزيرة القرم هي أرض التتار تاريخياً، بلغ عدد سكانها حوالى ستة ملايين نسمة في العام 1886 وتقلص هذا العدد إلى 850 ألف نسمة في العام 1941 وإلى 450 ألف نسمة في العام 1946 بسبب عمليات القتل والتهجير التي مارسها ستالين ضد التتار.
اليوم وفي ظل الموقف العنصري الأوكراني كما يروج الروس، تنتعش في ذاكرة الروس الأوكران الأصول التاريخية الروسية لشبه جزيرة القرم وقد يذهبون بسبب ذلك إلى الدعوة للإنفصال عن أوكرانيا التي تتشكل من 24 محافظة وجمهورية ذات حكم ذاتي هي جمهورية شبه جزيرة القرم.
وقد دعت حكومة شبه الجزيرة إلى استفتاء على الإنفصال أو على توسيع صلاحيات السلطات المحلية في 30 من آذار الجاري مستبقة بذلك الانتخابات الرئاسية الأوكرانية المبكرة المقررة في 25 أيار المقبل. وقد تحذو حذوها المناطق الشرقية من أوكرانيا. ولكن هل يتوافق هذا الخيار مع سياسة إدارة بوتين ومع المصالح الروسية الإستراتيجية؟
من وجهة نظري، إن هذا الخيار قد يكون آخر الدواء بالنسبة لبوتين وإدارته من أجل الحفاظ على المنفذ الأساسي لروسيا على المياه الدافئة في البحر الأسود والبحر المتوسط عبر مرفأ سيفاستوبول. لكن سلوك هذا الخيار يجب ألا يغفل النتائج الخطيرة جداً على وحدة الأراضي الروسية نفسها. فإن انفصال القرم عن أوكرانيا سوف يشكل سابقة خطيرة تثير شهية الإنفصاليين في القوقاز.
من هنا يسود الاعتقاد بأن بوتين قد يساير هذا الإتجاه الإنفصالي تكتيكياً بهدف البحث مع السلطة الأوكرانية عن ضمانات لتواجد الأسطول الروسي في البحر الأسود. واعتقد أن الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة ليسا بعيدين عن تفهم هذه الحاجة الروسية. وهما لا يريدان في هذه اللحظة لي ذراع روسيا في أوكرانيا ومصممان على ما يبدو على التعامل المرن مع الموقف الروسي كي يهضما هذا الانتصار الذي تحقق ضد روسيا.
لكن هناك في الجهة المقابلة بعض الإتجاهات الروسية التي تريد حسم المسألة الأوكرانية بالضربة القاضية ليس عبر دعوات إنفصال مناطق الجنوب والشرق عن أوكرانيا وانضمامها إلى روسيا بل عبر السيطرة المباشرة على قرار كييف حتى ولو احتاج ذلك إلى استخدام القوة، مندفعين في هذا الخيار من خلفية أن الولايات المتحدة تحديداً والإتحاد الأوروبي تالياً ليسا في وارد المجابهة العسكرية مع روسيا على الأراضي الأوكرانية.
ولكن بين هذا وذاك من الخيارات يصبح من غير المستبعد في حال لم يعد الأفرقاء إلى طاولة الحوار أن تصبح أوكرانيا ساحة مجابهة عسكرية بين الأوكرانيين أنفسهم قد تقودهم إلى حروب أهلية يطول أمدها وتنشغل بها روسيا.
هل سيتعقلن الصراع في أوكرانيا بعد هستيريا الايام الاولى من ردود الأفعال أم أن الأمور ستذهب إلى المجهول؟
أعتقد أن الوضع سيبقى تحت السيطرة ، وأن خطوط بوتين ستبقى مفتوحة مع أوباما وميركل وهولاند وكاميرون وأن قضية أوكرانيا بتعقيداتها ستنضم إلى قضايا الخلاف الأخرى بين روسيا والغرب، من كوريا الشمالية والمحيط الهندي، إلى الدرع الصاروخية، إلى قضايا الشرق الأوسط الممتدة من أفغانستان إلى إيران والعراق وسوريا وفلسطين ومصر ولبنان...
وإلى أن تدفع الأزمة الأوكرانية اللاعبين الكبار للجلوس إلى الطاولة للتفتيش عن حلول وتسويات لأهم الأزمات المتفجرة، لا بد من الإقرار بأن روسيا التي استطاعت استعادة دورها كلاعب أساسي على الساحة الدولية مستفيدة من الأزمة السورية ومن ارتفاع أسعار النفط والغاز، ومن الخسارات المتوالية لأميركا في العراق وأفغانستان، والازمات المالية التي يتخبط فيها الغرب، قد أصيبت اليوم بانتكاسة كبيرة في المسألة الأوكرانية عندما أصبحت اللعبة داخل ملعبها بالذات.
والسؤال المطروح شرق أوسطياً في هذه الظروف: كيف ستتصرف روسيا المجروحة، تحديداً حيال الأزمة السورية بعد تدخلها العسكري في أوكرانيا وهي لطالما واجهت الغرب بضرورة احترام المواثيق الدولية وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى؟
الإتجاه الأكثر ترجيحاً هو في أن تكون السياسة الروسية أكثر تصلباً في المرحلة الراهنة لضمان تأمين بدائل لها في المياه الدافئة وتحديداً في البحر المتوسط عبر سوريا ومصر، في حال تهديد وجود أسطولها في البحر الأسود؟
إلا أن لعبة الميدان في أكثر من مكان سوف تقول كلمتها في المقبل من الأيام والأسابيع، قبل جلوس الكبار إلى طاولة المفاوضات الثنائية أو المتعددة الطرف أو في إطار المؤسسة الأممية للنظر في مقاربات جديدة للأزمات المختلفة المشار إليها.


كاتب

حمل الآن تطبيق النهار الجديد

للإطلاع على أخر الأخبار والأحداث اليومية في لبنان والعالم