أميركا وقضايا لبنان: تاريخ متقلّب تحت أنظار الرؤساء
"تداخلت قرارات الرؤساء الأميركيين مع مصير لبنان الذي حمل على أكتافه ثقل توازنات كبيرة وصراعات تاريخية أكبر..."
رأى الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت في استقلال لبنان عام 1943 نقطة مضيئة في عالم مزّقته الحرب العالمية الثانية، وعمل على دعمه كجزء من التزامه بنشر قيم الحرية في العالم. وفي عام 1958، ومع امتداد توترات الحرب الباردة إلى الشرق الأوسط، تدخلت الولايات المتحدة لفرملة تهديدات الرئيس المصري جمال عبد الناصر. جسّد قرار الرئيس دوايت أيزنهاور بإرسال "المارينز" إلى بيروت حرصه على تثبيت الحكم اللبناني، كما حمل رسالة واضحة للسوفيات عن استعداده للوقوف في وجههم على مختلف الجبهات.
في كتابه "الدبلوماسية الأميركية تجاه لبنان" يعتبر دايفيد هيل أن الولايات المتحدة دعمت الملك حسين بمواجهة ياسر عرفات وإلحاق الهزيمة بالفدائيين، و"باستعادة الحسين لبلده خسر اللبنانيون بلدهم"، مع فرار "الفدائيين" من الأردن إلى لبنان عام 1970، ما أدى إلى تفجّر الأوضاع داخل لبنان بعد أن عزز عرفات نفوذه على الأرض اللبنانية. لم تلتفت الولايات المتحدة إلى لبنان في تلك المرحلة وركزت على أولويات الرئيس ريتشارد نيكسون في فيتنام والانفتاح على الصين.
كادت أن تندلع حرب ضروس بين إسرائيل وسوريا في لبنان بعد اندلاع الحرب اللبنانية، فحلّ السفير الأميركي في الأردن دين براون لتجنّب حدوثها وقد نجح ذلك مرحلياً من دون إيجاد حلول للأزمات اللبنانية المتعلقة بالفلسطينيين والأطماع السورية في لبنان. حققت "الدبلوماسية" في عهد الرئيس رونالد ريغان والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 أهداف إسرائيل في ضرب منظمة التحرير الفلسطينية وإخراجها من لبنان، وولدت بالتوازي مع ذلك ذراع إيرانية في لبنان مع نشأة حزب الله. عام 1984، حصل ما لم يكن بالحسبان الأميركي مع تفجّر المساعي الأميركية لسلامٍ بين لبنان وإسرائيل وألغي اتفاق "17 أيار" وكان قد سبق ذلك انفجار من نوع آخر حصل في تشرين الأول /أكتوبر 1983 بعد استهداف ثكنة "المارينز" بشاحنة محمّلة بالـ TNT في بيروت، والتي حضرت من ضمن قوة متعددة الجنسيات بهدف تأمين إخلاء منظمة التحرير من غرب بيروت.
"سوريا أولاً"، هذا ما أرادته إدارة الرئيس بيل كلينتون وربطت مصير لبنان باستراتيجيتها تجاه سوريا محاولة أن تنتزع سلاماً سورياً-إسرائيلياً خاصة بعد انضمام سوريا إلى تحالف تحرير الكويت. راهنت الولايات المتحدة على دخول سوريا مسار السلام، الأمر الذي قد يجعل لبنان المُلزَّم لسوريا الضيف التالي للسلام. كما راهنت الولايات المتحدة على دور سوري في مواجهة إيران في المنطقة، الأمر الذي لم يتحقق. فتحولت الورقة اللبنانية بيد سوريا عاملاً مغذياً لتطور حزب الله الذي حافظت عليه سوريا بعد نهاية الحرب اللبنانية حتى أصبح عاملاً مؤثراً على أمن إسرائيل التي اصطدمت بمقاتليه بمحطات عديدة في جنوب لبنان. وتحول الجنوب اللبناني صندوق بريد "مساعي السلام" السوري-الإسرائيلي الذي استخدمه حافظ الأسد مرّات ومرّات.
"من بيروت الى بغداد، يرى الناس الوعد بالحرية ويدركون أنها حقهم الطبيعي"، هذا ما أعلنه الرئيس جورج بوش من ضمن رؤيته التي أطلق عليها "أجندة الحرية" والتي دعم من خلالها "القضية اللبنانية" وأحرارها التوّاقون الى كسر الاحتلال السوري. سوريا الأسد أخفقت في دعمها للإرهاب في العراق وخنقت الحياة السياسية في لبنان. وبين قرار دولي وتعنّت سوري، انفجر الشعب اللبناني بعد انفجار 14 شباط /فبراير 2005 وكان "14 آذار" المشهد الذي صنعه الشعب اللبناني، صورة شجعتها إدارة بوش حتى خرج جيش الاحتلال السوري من لبنان. ومن صيف العام 2006 الملتهب جنوباً والقرار الدولي 1701 بعد "حرب بالوكالة بين إسرائيل وإيران وسوريا" كما يقول دافيد هيل، لم يُستكمل مسار الحرية في لبنان بعد أن دخل حزب الله تدريجياً الى قضم السلطة في لبنان. فتوالت الانهيارات السياسية والاقتصادية وضُرب مفهوم السيادة من جذوره وفاحت رائحة الفساد، فانتفض اللبنانيون من جديد قبل أن تنفجر عاصمتهم ومرفؤها بوجه التحديد.
حملت إدارة الرئيس دونالد ترامب سلاح العقوبات في وجه اللبنانيين الداعمين لنشاط حزب الله المالي المُراقب أميركياً، كما لم يسلم مرتكبو الفساد منه. ومع إدارة الرئيس جو بايدن كان لبنان المنهار اقتصادياً على موعد مع الوساطة الأميركية التي أفضت الى ترسيم بحري بين لبنان وإسرائيل عام 2022. وأكملت الإدارة نفسها عملها مع لبنان كراعٍ أساسي لوقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل في الحرب الأخيرة المدمرة للبنان العام الماضي.
أهداف المستقبل ولبنان
إن قطع "خط الحرير" والسعي للسيطرة على الطرق التجارية الاستراتيجية، هو هدف أساسي من أهداف الولايات المتحدة في المنطقة. كما أن تأمينها لخط تجاري بين الهند وأوروبا يُعتبر عملاً استراتيجياً يرسم مشهد المنطقة برمّتها. فعلى لبنان أن يسعى للدخول إلى هذا المسار، وإن تعذر ذلك، فليكن هناك ترتيبات أخرى وبدعم أميركي تعيد تفعيل خط التجارة النفطية بين العراق ولبنان والذي يحتاج الى استثمارات ضخمة لتحديثه. مع إدارة الرئيس دونالد ترامب الجديدة، ينتظر لبنان متابعة أميركية لاتفاق وقف إطلاق النار من ضمن لجنة المراقبة للوصول الى ترسيم بري بين لبنان وإسرائيل، بالتوازي مع استمرار دعم القوى المسلحة الشرعية والعهد اللبناني الجديد لبسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. كما أن خيار إنهاء القلق على الحدود الشرقيّة مع سوريا يجب أن تدعمه دول القرار لما يحمله الأمر من منافع سيادية للبلدين تنهي تحديات التهريب والتفلت الأمني الحدودي. إن ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا انطلاقاً من القرارات الدولية أمرٌ لا بد منه بالإضافة الى ترسيم بحري مع سوريا يحتاجه لبنان أيضاً.
فرص كثيرة أمام لبنان ومستقبله والذي شهد في المرحلة الأخيرة تبدلاً ملحوظاً في التأثيرات الخارجية عليه مع تراجع نفوذ إيران في لبنان والمنطقة، وعليه فإن لبنان الرسمي مدعو لالتقاط فرص تقدّمه وإظهار دور الدولة من جديد والتي أثبتت الحوادث الأخيرة من حروب وأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية أن ما من أحد باستطاعته أن يحلّ مكانها وأنه لا قاعدة لحكم سليم في لبنان إلا ببنود دستوره.
نبض