ما في كهرباء لا تندهوا ما في كهرباء - منى فياض
يأس من الطبقة السياسية المنقسمة على نفسها والمختلفة على أجنداتها وسياساتها، والعاجزة عن إقرار الموازنة، ما يجعلنا نستنتج اتفاقاً ضمنياً على تجاهل كل ما يتعلق بتأمين معيشة المواطنين الكريمة وحاجياتهم الأساسية... مع أن الهم المعيشي كان في صلب البيان الحكومي الذي وعدت الحكومة بمعالجته.
اليأس الآخر يطاول هذا المواطن نفسه، الذي ينوء تحت ثقل أعبائه المعيشية مكابداً في ما بين الدورات الانتخابية، لكنه عندما يحين موعد الاقتراع مرةً كل أربع سنوات، نجده يعيد تجديد ولائه لزعمائه وأولياء أمره المشكو من أدائهم ومن إهمالهم حاجاته.
لماذا يا ترى؟ لأن الانقسام السياسي الحاد الذي تشكو منه البلاد، يجعل المسؤول عن التردي هو الخصم السياسي للزعيم الذي نختار الاصطفاف خلفه. لكن أحياناً، وكلما ثقلت وطأة المعاناة (كما يحصل مع الكهرباء الآن مثلاً، في انتظار المياه مستقبلاً، والرغيف لاحقاً، عندما ستتوضح نتائج الكوارث الطبيعية البيئية المتلاحقة)، نزل البعض إلى الشارع مستخدمين وسائل الاعتراض التي تثير ريبة المسؤولين. ربما يحق لهم ذلك، فبعض الاعتراضات الممارسة تشي بإمكان كونها تمرينات لتخريب سياسي منتظر، فهي تذكّر باعتراضات سابقة غير بريئة. لكن ذلك لا يمنع أنها هذه المرة اعتراضات محقة في جوهرها، وأنه لا يمكن تجاهل الأوضاع الحياتية المزرية، ولا يمكن الاستمرار في تجاهل أزمة الكهرباء المستمرة منذ عقدين أو أكثر، التي كبّدت الخزينة بحسب تقديرات البعض أكثر من ربع الدين العام!
فما الذي يمنع المسؤولين من القيام بعملية إصلاح جذري في الاقتصاد اللبناني عموماً، وفي الكهرباء خصوصاً، ما دام الجميع ممثلين في الحكومة هذه المرة، بدل الاستغراب حيال تحرك المواطنين والتخوف من غاياتهم المبطنة؟
يجب التذكير بأن سياسات جميع الحكومات السابقة (سواء المعارضة او الموالية) فعلت الأمر نفسه ولم تقم بما تطلب من الخصوم القيام به. والدليل أداء الحكومة التوافقية الراهنة التي تمتنع عن أي إصلاح اقتصادي.
في حلقة دراسية متخصصة عقدت أخيراً لمناقشة مسألة الدين غير المشروع في جامعة اللاعنف وحقوق الانسان "أونور"، تم إيراد الأرقام الآتية التي ذكّر بها الخبير الاقتصادي توفيق غاسبار (كما فهمتها، وهي معروفة على كل حال)، حول الوضع الاقتصادي في لبنان:
في العام 1975 كان دين الدولة اللبنانية صفراً. وكان يوجد فائض في موازنة الدولة. بقيت الحال كذلك خلال الحرب. حتى العام 1990، بحسب ادبيات البنك الدولي، كان لبنان من اقل الدول استدانة في العالم. في العام 1992 بلغ دين الدولة الصافي مليارين ونصف مليار دولار تقريباً. ثم اصبح لبنان من اكثر الدول استدانة في العالم منذ بضع سنوات. فماذا جرى؟
اصبح الدين الآن 52 ملياراً، اي 150 في المئة من الناتج المحلي، وهو من اعلى النسب في العالم. هذا الدين هو في غالبيته داخلي، ويتوزع كالآتي: 60 في المئة تحمله المصارف اللبنانية البحتة، 28 في المئة مصرف لبنان، 9 في المئة مؤسسات دولية وعربية، الباقي افراد.
خلال مرحلة 1990 – 2009 انفقت الدولة 114 مليار دولار. اين ذهبت؟
41 مليار دولار فوائد (فوائد 2010 بلغت 4 مليارات، ما يساوي 10 في المئة من الناتج المحلي).
36 مليار دولار رواتب واجور.
13 مليار دولار استثمارية بما فيها... الفساد. اي ان مجمل هذه النفقات التي ادت الى الدين العام ذهب جزء يسير منها فقط الى الاستثمار.
يقال إن المديونية نتجت من اعادة الإعمار، لكن يبدو أن غالبيتها مكوّن من الفوائد والاجور. 9 مليارات منها ذهبت الى كهرباء لبنان. من يجرؤ على عدم تحويلها؟ ولماذا لم تكفِ هذه الأموال لحل المشكلة؟
لم تعد المصارف تقوم بوظيفتها، في اقتصاد حر، في تمويل المشاريع الخاصة كما هو مفترض، بل صارت تموّل الدولة وتذهب إلى القطاع الخاص نسبة 21 في المئة فقط من موزانتها. يعني أن أي خلل في تسديد الدين يهدد النظام الاقتصادي ككل.
ثم من أين تؤخذ هذه الأموال؟ أليس من دافع الضرائب اللبناني؟ وماذا نقول عن هذا الدين الداخلي الذي يذهب معظمه لتسديد الفوائد والأجور، التي تسدّد بدورها من واردات الخزينة المتأتية من مختلف أنواع الضرائب والجبايات التي تحصلها، ما عدا بعض المساعدات الخارجية؟ هذا يعني أننا ندور في حلقة جهنمية مفرغة! فلماذا لا تبدأ المعالجة الجدية؟ ولماذا لا تعالج بالوعة الكهرباء ما دام الجميع ممثلين في الحكومة العتيدة؟ متى يطرح مسؤولونا، الذي يتبارون في التهديد بفضح الفساد، خطة جذرية للحل؟
كل ما نحصل عليه هو هذا الصمت المطبق عن معالجة أيٍّ من المشكلات المتراكمة من الطبقة السياسية بجناحيها.
... ثم يبشرنا الوزير المسؤول بأن مشكلة الماء آتية بعد الكهرباء، وكأنه مواطن عادي وليس وزيراً مسؤولاً في حكومة مسؤولة!
هناك أزمة كبيرة، لكن من يعمل من أجل حلّها؟ لا أحد. وأين المجتمع المدني؟ لا شيء ¶



