الفضة في 2026: معدن استراتيجي بين الثورة الخضراء ودورة الأسواق
د.علي حمود
في عام 2026، لم تعد الفضة مجرد معدن ثمين يُقاس بسعره في بورصات السلع، بل تحولت إلى عنصر استراتيجي في قلب التحول الصناعي العالمي. فهي اليوم تقف عند تقاطع مسارين حاسمين: مسار الاقتصاد الأخضر القائم على الطاقة النظيفة، ومسار التحولات النقدية والاستثمارية في عالم يشهد تقلبات متسارعة. هذه الازدواجية منحت الفضة مكانة فريدة تجمع بين خصائص المعدن الصناعي وأبعاد الملاذ المالي.
تشير أحدث بيانات معهد الفضة إلى أن الطلب الصناعي العالمي سجل مستوى قياسيًا بلغ نحو 680 مليون أونصة في عام 2024، وهو ما يمثل قرابة 60% من إجمالي الطلب العالمي. ويعكس هذا الرقم التحول البنيوي في طبيعة استخدام الفضة، إذ لم تعد المجوهرات أو الاستثمار الفردي المحرك الأساسي، بل أصبحت التكنولوجيا والطاقة المتجددة في الصدارة.
الطاقة الشمسية تمثل المحرك الأكبر لهذا الطلب. فالخلايا الكهروضوئية تعتمد على الفضة باعتبارها أفضل موصل كهربائي بين المعادن، ما يضمن كفاءة عالية في نقل التيار. ويُقدَّر أن قطاع الألواح الشمسية يستهلك ما بين 120 و125 مليون أونصة سنويًا، مع توقعات باستمرار النمو نتيجة التوسع العالمي في مشاريع الطاقة النظيفة، خصوصًا في الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. كما تساهم السيارات الكهربائية، وشبكات الاتصالات الحديثة، ومراكز البيانات العملاقة في تعزيز الاستهلاك الصناعي، نظرًا لاعتمادها المكثف على مكونات إلكترونية دقيقة تحتوي على الفضة.

في المقابل، يواجه جانب العرض تحديات هيكلية. فالفضة غالبًا ما تُستخرج كمعدن مرافق لإنتاج النحاس أو الزنك أو الرصاص، ما يعني أن زيادة إنتاجها لا ترتبط مباشرة بارتفاع سعرها وحده، بل بديناميات معادن أخرى. وتشير التقارير إلى أن السوق سجل عجزًا للعام الخامس على التوالي في 2024، تجاوز 140 مليون أونصة، نتيجة تفوق الطلب على المعروض. هذا العجز الهيكلي يشكل عامل دعم طويل الأجل للأسعار، ويعزز جاذبية المعدن لدى المستثمرين.
أما من الناحية المالية، فتتحرك الفضة في مساحة وسطى بين الذهب والمعادن الصناعية. فهي تُستخدم كأداة تحوط ضد التضخم وضعف العملات، لكنها أكثر تقلبًا من الذهب بسبب ارتباطها الوثيق بالدورة الاقتصادية. خلال عامي 2024 و2025، تراوح سعر الأونصة بين 22 و30 دولارًا، متأثرًا بسياسات الفائدة الأميركية وقوة الدولار. ومع دخول 2026، يراهن بعض المحللين على إمكانية انتقال الفضة إلى نطاق سعري أعلى إذا تزامن استمرار العجز في السوق مع خفض تدريجي للفائدة وتراجع في قوة العملة الأميركية.
مؤشر آخر يراقبه المستثمرون هو نسبة الذهب إلى الفضة، التي بقيت في السنوات الأخيرة أعلى من متوسطها التاريخي طويل الأجل. ففي حين يدور المتوسط حول 60 إلى 70 مرة، تجاوزت النسبة مستوى 80 مرة في بعض الفترات، ما يراه بعض المحللين إشارة إلى أن الفضة قد تكون أقل تقييمًا مقارنة بالذهب، خصوصًا في حال تسارع النمو الصناعي العالمي.
غير أن المستقبل لا يخلو من تحديات. فارتفاع الأسعار قد يشجع على زيادة إعادة التدوير، كما قد يدفع بعض الشركات إلى تقليل كثافة استخدام الفضة أو البحث عن بدائل تقنية أقل تكلفة. ومع ذلك، فإن تسارع التحول الطاقوي العالمي وتوسع البنية التحتية الرقمية يمنحان الفضة قاعدة طلب متينة في المدى المتوسط.
خلاصة المشهد في 2026 أن الفضة لم تعد “معدنًا ثانويًا”، بل أصبحت مؤشرًا حساسًا لاتجاهات الاقتصاد العالمي. فهي تختزل في بنيتها المادية معادلة معقدة: ندرة نسبية في العرض، طلب صناعي متنامٍ، وحضور استثماري يتأرجح مع حركة الأسواق. وبين الثورة الخضراء ودورات السياسة النقدية، تواصل الفضة ترسيخ مكانتها كمعدن المستقبل بامتياز.
نبض