أبوظبي ومنصة السلام: كيف تعزز الإمارات دورها كوسيط دولي موثوق في الحرب الأوكرانية؟
بعد توقف دام عدّة أشهر، تعود الحرب الأوكرانية إلى مسار الديبلوماسية من بوابة أبوظبي، في خطوة تعكس تحولات مهمة في إدارة الصراع الدولي الأكثر تعقيداً منذ نهاية الحرب الباردة. فاستئناف المحادثات بين روسيا وأوكرانيا بوساطة أميركية مباشرة، واستضافتها في العاصمة الإماراتية، لا يعدّ حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل مؤشراً على صعود دور الإمارات كفاعل ديبلوماسي محوري في إدارة الأزمات الدولية.
اختيار أبوظبي منصة لهذه المفاوضات لم يأتِ من فراغ؛ فالإمارات نجحت خلال السنوات الماضية في بناء شبكة علاقات متوازنة مع أطراف متناقضة المصالح، شملت روسيا، أوكرانيا، والولايات المتحدة في آن واحد. هذا التوازن الدقيق، القائم على البراغماتية والابتعاد عن منطق المحاور، منحها ثقة نادرة في نظام دولي شديد الاستقطاب، وجعلها خياراً مقبولاً لاستضافة حوار يصعب عقده في عواصم أخرى مثقلة بالحساسيات السياسية.
توفّر الإمارات بيئة تفاوضية مستقرة وآمنة، بعيدة عن الضغوط الإعلامية والاستقطابات الإقليمية، وهو عنصر حاسم في المراحل الأولى لأيّ مسار تفاوضي. فالديبلوماسية الناجحة لا تحتاج فقط إلى وسطاء، بل إلى فضاء محايد يسمح للأطراف بالانتقال من خطاب الحرب إلى منطق إدارة الخلاف. وفي هذا السياق، لا تطرح أبوظبي نفسها كصاحبة حلول جاهزة، بل كمنصة تسهيل تتيح للأطراف اختبار إمكانيات خفض التصعيد وبناء الثقة.

الدور الإماراتي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يمتد إلى الجوانب الإنسانية، حيث لعبت أبوظبي سابقاً أدواراً مهمة في ملفات تبادل الأسرى والممرات الإنسانية. هذه المقاربة التدريجية، التي تبدأ من القضايا الإنسانية قبل الانتقال إلى الملفات السيادية المعقدة، تعكس فهماً واقعياً لطبيعة الصراعات الطويلة، وتمنح الديبلوماسية فرصة لكسر الجمود النفسي والسياسي بين الخصوم.
إن استضافة هذه المحادثات تتقاطع مع تحولات أوسع في طبيعة الصراع نفسه. فبعد ما يقارب الأربع سنوات من الحرب، بات واضحاً أن الحسم العسكري الكامل غير ممكن، وأن كلفة الاستنزاف تتزايد على جميع الأطراف. من هنا، تبدو أبوظبي محطّة اختبار لإدارة الصراع سياسياً، حتى وإن لم تفضِ المحادثات الحالية إلى تسوية شاملة، بقدر ما قد تؤسّس لمسار تفاوضيّ طويل النفس.
يبرز في هذا السياق دور القيادة الإماراتية، التي تبنت سياسة خارجية تقوم على الانفتاح المتوازن، وتغليب الاستقرار على الصدام. هذه المقاربة مكّنت الإمارات من التحوّل من فاعل إقليمي إلى وسيط دوليّ موثوق، قادر على مخاطبة القوى الكبرى بلغة المصالح والعقلانية، لا بلغة الشعارات أو الاصطفافات الحادّة.
إن أهمية الدور الإماراتي في محادثات السلام الأوكرانية لا تكمن في المكان فحسب، بل في النموذج الديبلوماسي الذي تقدّمه: وساطة هادئة، واقعية، تركّز على تهيئة الظروف للحوار بدل فرض النتائج. وفي عالم تتراجع فيه الثقة بالوساطات التقليدية، تبرز أبوظبي كعاصمة للحوار الدولي، قادرة على المساهمة في إدارة الأزمات الكبرى، ولو بخطوات تدريجية، نحو سلام أكثر استدامة.
*باحث في الأمن الدولي والإرهاب
نبض