عند السابعة مساء، أقفلت صناديق الاقتراع في بيروت بنسبة مشاركة تجاوزت 18%، اعتبرها البعض مريحة طالما أنها تعدت بخجل نسبة المشاركة العام 2010، خصوصاً أنها جرت في ظل أمواج الشلل السياسي والمؤسساتي، فضلاً عن أنها المرة الأولى التي تشهد فيه هذه الجمهورية عرساً ديموقراطياً بلدياً واختيارياً في ظل غياب رئيس جمهورية.
هذه النسبة التي أظهرت استمرار الاحباط والصمت الانتخابي زرعت الشك في نفوس محبي اللائحة الجنينية "بيروت مدينتي" بامكانية احداث على الأقل خرق في لائحة "البيارتة" المدعومة من الأحزاب، خصوصاً بعدما أطلت عليهم قناة "المستقبل" بمقدمة نشرة أخبارها، وبعد نصف ساعة فقط من اقفال الصناديق معلنة نتيجة غير نهائية بفوز "البيارتة" كاملة "زي ما هي" وبمشاركة ناهزت الـ 20 في المئة، تماماً كما رجّح رئيس اللائحة جمال عيتاني بقوله لـ"النهار" خلال ساعات بعد الظهر: "لا زلنا واثقين بعدم امكانية الخرق"، فكيف كان المشهد في القسم الغربي من بيروت؟
منذ ساعات الصباح الأولى جالت "النهار" على مراكز الاقتراع في الباشورة، المزرعة، رأس بيروت، المصيطبة، دار المريسة، زقاق البلاط، ميناء الحصن المزينة بصور المرشحين، حيث استهلت الصورة باجراءات أمنية مشددة في المراكز ومحيطة، فضلاً عن الحواجز العسكرية، إذ لم تسجل أي حوادث أمنية في العاصمة ورسم المندوبون بداية المشهد الانتخابي بتوزعهم أمام المدارس ومحيطها، لتشكل ملابسهم "قوس قزح" سياسياً ومدنياً.
ألوان
"البيارتة" ارتدوا اللون الأحمر، "بيروت مدينتي" الأبيض، فيما فرضت جمعية المشاريع نفسها باللون الأصفر وبعدد هائل من المندوبين، معظمهم من صغار السن، يوزعون لوائح "مفخخة" بازالة أربعة اسماء من "البيارتة" هي: راغب حداد ومغير سنجابة وعدنان عميرات وايلي يحشوشي مع اضافة اسم محمد مشاقة. ولوحظ التواجد الخجول لمندوبي "حركة أمل" و"حزب الله" الذين اكتفو بطاولات قريبة من المركز، الأولى بقبعات خضراء ملتزمين بتوزيع لائحة حلفائهم في "البيارتة" أما الحزب بقبعات صفراء وبلوائح اختيارية فحسب، ولدى سؤالنا أحد المندوبين عن لائحة المجلس البلدي أجاب: "مقاطعين"، لكن الحديث انقسم بين دعم غير معلن لـ"بيروت مدينتي" أو لائحة الوزير السابق شربل نحاس. أما اللوائح الأخرى كـ"البيروتي" و"مواطنون ومواطنات في دولة" وغيرها فكان تواجد مندوبيهم غير لافت. ولم يخلُ الأمر من الحديث عن تشطيب تارة بشكل ديموقراطي ويأخذ منحى طائفياً أو سياسياً تارة أخرى.
اختيارياً، "ضاعت الطاسة" بسبب زحمة المرشحين وغياب الدعم الاعلامي لهم أمام المعركة البلدية، وسارع كل مختار إلى تحويل مكتبه إلى نقطة انتخابية توزع اللوائح والصور وترشد الناخبين إلى المراكز، ولم تغب "النرجيلة" عن غالبية نقاطهم الانتخابية. وبلغت نسبة المشاركة ذروتها ظهراً، وشهدت المفارق المؤدية إلى المراكز زحمة سير خانقة أكان بسبب الاجراءات الأمنية أو مرور مواكب المسؤولين أو احتار المواطنون في تحديد مكان لركن سياراتهم.
أقلام الاقتراع منظمة والأساتذة يدركون القانون الانتخابي ودورهم جيداً. الظرف الابيض للبلدية والبني للمخاتير، غرفتان وستارة تعطي للناخب حقه بسرية الانتخاب لتنتهي المهمة بتوقيع واصبع مزين بالحبر الديموقراطي الأزرق.
الماكينات الانتخابية أشبه بخلية نحل، وكان الثقل الأكبر لـ"البيارتة" في مبنى القنطاري. غرف عمليات، هواتف لا تهدأ، منظمون يؤمنون اللوائح والصور وتجهيزات للمندوبين وسيارات لنقل الناخبين تم تجهيزها في فترة قصيرة نسبة إلى الجولات السابقة. أما في مركز "بيروت مدينتي" في بدارو حيث تجمعت غالبية المرشحين، ترقب ومتابعة دقيقة لمسار العملية إذ اشتكى معظهم من انتهاكات للعملية الانتخابية، وتحدثت المرشحة نادي لبكي عن "عملية غش" كارتداء قبعات اللائحة وتوزيع لائحة أخرى أو بوضع الظرف البلدي في صندوق الاختياري. كانت هذه الفنانة التي حرمت نفسها من مهرجان "كان" متعبة، لكنها قالت لـ"النهار": "انه تعب جميل وايجابي وأشعر وكأنني في مهمة"، وأضافت: "لا استطيع أن اتوقع النتيجة أو رد فعلي في حال خسرنا لكن على الاقل أشعر بالفرح بحصول الانتخابات والمنافسة الديموقراطية التي مورست". وهي بعيدة عن أي محاولة للترشح نيابياً لعدم رضاها على التعاطي السياسي في البلد. وكان واضحاً أن الأجواء هناك توحي بالاحباط فسألنا الفنان أحمد قعبور الذي اعتبره أنصار "المستقبل" غير وفي تجاه الحريري، عن نسبة المشاركة وامكانية الخرق، فقال: "إذا وصلت النسبة إلى 18 في المئة أو 20 في المئة فذلك يعني أن الصمت الانتخابي مستمر بسبب الأحزاب، ولائحتنا بدأت بهمسة وتحولت صرخة ولكنها جنينية وليس همي أن أكون عضو مجلس بلدي بل همي بيروت وأن نكون العين المراقبة لها". وفي شأن تخوينه من الطرف الآخر قال: "لا زلت أؤمن برؤيا رفيق الحريري مع بعض الملاحظات على المشروع الاقتصادي وأؤمن بهذا الوجه المعتدل لكني لن أساهم بموجة ركوب الأرواح".
12 ساعة جمعت البيروتيين في العاصمة، لتكون نتائج الانتخابات البلدية والاختيارية مقدمة للمعارك المقبلة في بقية المناطق، ومقدمة لتحفيز السلطة على اجراء انتخابات رئاسية ونيابية طالما أن البلد بخير.
[email protected]
Twiiter: @mohamad_nimer
نبض