هل "كلنا للوطن" أم إن الحنين بدأ يسري في عروقنا الى عقود الجنرالات الفرنسيين والباشاوات الأتراك؟ بألوان الكوفية كان العثمانيون يُميزوننا، وبالمصالح العليا كان الفرنسيون يجزئوننا. أن تحدث المقارنة بعد قرن عمّن هو الافضل معناه ان الحرية ليست مطلبنا الاوحد. كيف لنا أن نسأل بشارة الخوري عن فعلته لأنه ناضل في سبيل نيل الاستقلال من الانتداب الفرنسي وكأنه اقترف إثماً؟ نحن لا نؤمن باستقلالنا لعوامل عدة، لكن أن نمقت كلّ ما يربطنا بالوطن من نشيد يُبثّ عبر المكالمات الهاتفية أو علم لا يمثلنا فلهذا تداعيات كثيرة. منذ أيام تمتلئ صفحات اللبنانيين في مواقع التواصل بمقارنات مستفزّة تعتبر أن حالنا كان أفضل يوم كنا تحت نير الاحتلال، واعتراضات على النشيد "الكليشيه" الذي اخترق مكالماتنا. ثم إننا نعترض لتضامن حكومتنا العتيدة مع شعب فرنسي نال نصيبه من الإرهاب مثلنا، فهل نحن بذلك نقاطع حكومة فرنسا أم نقطع آخر صِلاتنا بالإنسانية والتضامن مع كلّ ضحية في هذا العالم؟ ماذا نريد نحن اللبنانيين بالتحديد؟ هل صار الانتقاد سمة لتصرّفاتنا اليوميّة ومواقفنا المتقلّبة من أي قرار أو عمل أو تحرّك على رغم تفاهته؟
لماذا نحِنّ إلى الانتداب؟
نبحث عن الدوافع التي قتلت فينا توقنا إلى الحرية وجرّتنا إلى تمجيد زمن الجزمة الغريبة فرنسية كانت أم عثمانية. نسأل الباحث والدكتور في علم الاجتماع السياسي ميشال سبع عن الأسباب، فيقول في حديث لـ"النهار": "الحالة في لبنان ليست سليمة، ثمة مستويات عدة تدفعنا إلى هذا التفكير. أوّلها المستوى النفسي التعيس الذي وصلنا إليه لأننا في بلد فاسد حيث لا اتفاق بين السياسيين ولا أجور تُصرف في حينها ولا مطامر صحيّة لنفاياتنا. فقدنا الأمل فصار البعض يتطلّع إلى الماضي ويقول أجدادنا عاشوا أفضل منا. لكن هذه المقاربة خاطئة لأنهم عانوا الأمرّين. ثانياً المستوى السياسي إذ لا نشعر بالاستقلال وننتظر اتفاق الدول الإقليمية لنعرف مصيرنا. هذه الانهزامية تجعلنا نحنّ إلى الماضي وكأننا نسأل عمن نريد التحرّر والكل متحكّم فينا. وثالثاً ثمة المستوى الاجتماعي حيث نعيش كوارث متلاحقة وقلقاً دائماً من القروض المصرفية وسواها من الأعباء". أما عن مسألة التضامن السريع مع حوادث فرنسا وانتقاد البعض لذلك، فيقول: "التعاطف يكون مع الشعوب والضحايا. من دون أن نحذف النزعة العاطفية والنوستالجيا لزمن فرنسا التي ساهمت في إنشاء البنى التحتيّة في لبنان والمدارس والجامعات من خلال الإرساليات، كما أن نظامنا التعليمي يعتمد على المنهج الفرنسي إضافة إلى دستورنا وقوانينا. كذلك فإن الممارسة والعقلية السياسيتين مأخوذتان عن الفرنسي. لكن نسأل من كان ممن تضامنوا مع فرنسا سيتضامن مع حدث مشابه في إيران أو السعودية؟ ثمة نزعة دينيّة لا يمكن التغاضي عنها".
وعلاقتنا بالاحتلال العثماني؟
التباين في وجهتي النظر في ما يخص رحمة الانتداب الفرنسي أو مجد الاحتلال العثماني يتجلّى في التناقض الواضح في خلفيات اللبنانيين. لتفنيد تلك العلاقة الملتبسة نحاور الصحافي في جريدة "النهار" أمين قمورية، فيقول: "ثمة قسم من السنّة يحنّ إلى الخلافة الإسلامية وآخر تجسيد لها كان حكم بني عثمان. أضف إليهم قسم من الجماعات الإسلامية الذين يرون في تركيا حليفاً لهم لأسباب دينيّة وسياسيّة. ثمة نشاط لتركيا في الشمال وتحديداً طرابلس حيث شاهدنا تأييداً لفوز الرئيس رجب طيب أردوغان لطابعين: عقائدي ربطاً بالإخوان المسلمين وسياسي تماهياً مع موقفه من بشار الأسد في سوريا. لقد رأى كثيرون في أردوغان في مواجهته اسرائيل في حادث باخرة مرمرة، ومشادته الكلامية مع شيمون بيريز في دافوس (سويسرا) حين سكت العرب أنه حامي المسلمين، فرفعوا صوره في المنطقة. أما علاقتنا بفرنسا ففيها روابط انتماء، إذ إن قسماً كبيراً من اللبنانيين درس في فرنسا ويرى في انتدابها لبنان مرحلة ذات جوانب إيجابية على صعيد التعليم والمؤسسات والقوانين والدستور والمعالم التراثية والبنى التحتية والشوارع الهامة كفوش وكليمنصو وسواهما".
ماذا عن أصل الاختلاف في تباين الرأي حول الحقبتين؟ يرى قمورية "أن ثمة من يتذكرون مجازر الأتراك في ساحة الشهداء في مقابل من يتذكرون مجازر الفرنسيين في ميسلون في سوريا خلال الثورة السورية الكبرى، واستقدام الفرنسيين لِفرق من المرتزقة كالسنغاليين لتسيير شؤون البلاد. لكن الغريب أن تظهر الذاكرة التركية على أساس أنها دُفنت وكذلك الفرنسية، إذ لدينا موقف واضح من الاثنتين بعد 5 عقود من الحكم العثماني الذي لم يترك في سجلّه ما يُذكر من الإنجازات، إضافة إلى تحميل فرنسا جزءاً كبيراً من مصائبنا بفعل تقسيم خريطة المنطقة على أساس طائفي بما يتماهى مع مصالحها، الأمر الذي ترك إسفيناً طائفياً تكرّس بعد فترة الانتداب".
الحريّة أم الماضي؟
نفتقد كرامتنا الإنسانية في ظل حكومة الفشل. نطالب بلقمة عيشنا وكلفتها المرتفعة في وضع اقتصادي هشّ. نلتقط أنفاسنا درءاً لأمراض تصيبنا مع تراكم النفايات. ولا نجد مكاناً للاحتفاء باستقلالنا ولا متسعاً لسماع نشيدنا الوطني – لحنه قد يكون مسروقاً - فنحتج على وزارة الاتصالات لأنها لمناسبة عيد الاستقلال فرضته على مكالماتنا. أهو الإبداع الخارج عن الكليشيهات الذي ارتفع بنا إلى حد التطلع إلى المستقبل ورفض الماضي بمرارته؟ أم إنه فقدان الأمل بدولتنا الذي يشدّنا إلى عهدين من ذلّ - مهما علا شأن إنجازاتهما في البلد - تحت نير دولتين استعماريتين؟ لا ننسى أنه على تركيا أن تعترف بما اقترفته يداها من قتل وتجويع وتشريد حيال الأرمن وأهالي جبل لبنان، كما من واجب فرنسا التراجع عن تلطيخ يديها في دماء الشعوب المغلوب على أمرها. قد تكون الحريّة آخر ما نطلبه ولو زوراً، فيما كثيرون استشهدوا في سبيل جلاء كل محتلّ عن أرضنا. كفانا تقليب أولئك في قبورهم لأنهم لم يخطئوا، بل نحن من لم يحفظ لبنان بصيغته الحاليّة ولم نصُن الأمانة.
Twitter: @ildaghssain
نبض