في شهر أيلول (سبتمبر) الماضي، أفادت منظمة الصحة العالمية بوجود زيادة مقلقة في معدلات الإصابة بالكوليرا في مختلف أنحاء العالم. فقد أبلغت 26 دولة عن تفشي الكوليرا لديها من بداية العام. وما يدعو للقلق هو أن هذا التفشي المتزايد يحصل على نطاق أوسع ويبدو أكثر فتكاً مع ارتفاع في معدلات الوفيات بسببه بالمقارنة مع السنوات الماضية. إذ إنه يمكن للكوليرا أن تتسبب بوفاة خلال ساعات إذا لم تتم المعلاجة سريعاً. ومع بداية الشهر الحالي، أعلنت منظمة الصحة العالمية عن رصد أكثر من 10 آلاف إصابة بالكوليرا في سوريا خلال 6 أسابيع فقط، وسط مخاوف من تسارع في ازدياد رقعة انتشار المرض عالمياً بعد انتشار في أفريقيا أولاً. كما أعلن وزير الصحة العامة في لبنان الدكتور فراس أبيض في الأسبوع الماضي عن تسجيل إصابين في مخيم للنازحين السوريين مع الاستمرار بتقصي الحالات الباقية التي بلغت حتى الساعة في البلاد 18 إصابة مسجلة مع تراجع في مستوى الخدمات الأساسية، وفق ما أكدته وزارة الصحة العامة، وذلك للمرة الأولى من عام 1993 الذي سُجّلت فيه آخر حالات الكوليرا في البلاد، وقد تم القضاء عليه تماماً بعدها. هذا ما دعا إلى إنشاء خلية أزمة وإصدار وزارة التربية والتعليم العالي تعميماً حول الإجراءات الوقائية التي من المفترض اتخاذها في المدارس في مواجهة الكوليرا. أسئلة كثيرة حول الكوليرا وانتشاره في المنطقة أجابت عليها رئيسة الجمعية اللبنانية للأمراض الجرثومية ورئيسة قسم الأمراض الجرثومية في مستشفى سيدة المعونات-جبيل الدكتورة مادونا مطر، في حديث مع "النهار العربي"، شددت فيه على أهمية التعاون بين كل القطاعات والجهات والمواطنين في مواجهة هذا الخطر الجديد، مع ضرورة التركيز على النظافة بالدرجة الأولى.
ما هو الكوليرا؟
بعدما تمكن لبنان من السيطرة على مرض الكوليرا والتخلص منه من التسعينات، يعتبر انتشاره حالياً مقلقاً ويدعو إلى التحرك السريع لمواجهته، وفق ما توضحه مطر، مشيرةً إلى أنه انتقل إلى لبنان من خلال السوريين لاعتباره منتشراً بكثرة في سوريا. ومع دخوله إلى البلاد من خلال المعابر المفتوحة يرتفع احتمال أن ينتشر أيضاً في لبنان، كما يحصل في باقي الدول، وذلك من خلال الماء ومياه الصرف الصحي.
والكوليرا عبارة عن عدوى جرثومية تنتقل من خلال اليدين أو الماء الملوث أو الأطعمة الملوثة أساساً. وهي من الجراثيم التي تعيش في الماء. ومن المشكلات التي تساهم في زيادة خطر انتشار هذه الجرثومة، وجود مناطق عديدة في لبنان لا تتأمن لها المياه النظيفة، وتكون المياه فيها مقطوعة أصلاً ويركز أهاليها على الشرب من الينابيع ومياه الأنهار التي يمكن أن تكون ملوثة. تضاف إلى ذلك مشكلة نظام الصرف الصحي غير المدروس في لبنان، ما يزيد من التحديات.

ما سبب عودة الكوليرا بعد السيطرة عليه في التسعينات؟
مما لا شك فيه أن الأوبئة تعود في كل الدول بعد الحروب والأزمات الاقتصدية وتراجع مستويات الخدمات الأساسية أوالبنى التحتية التي تُقدّم فيها. فالكوليرا تنتشر بكثرة عبر الصرف الصحي والماء الذي يعتبر غير مدروس في لبنان. هنا تكمن الخطورة لغياب التكرير وانقطاع الكهرباء والفوضى الحاصلة في هذه القطاعات وانعدام أسس النظافة بحسب مطر. وما دام قد تم تسجيل إصابة واحدة، يعني ذلك أننا نستعد لمواجهة وباء الكوليرا على نطاق واسع، ولا بد من الحرص الشديد واتخاذ كل إجراءات الوقاية من قبل الكل للحد من الانتشار.
ما الأعراض الناتجة من الإصابة بالكوليرا؟
الكوليرا جرثومة تدخل إلى الجسم من خلال الطعام أو الماء، فتصل إلى المعدة مسببة أعراضاً بحسب معدلاتها عند دخولها إلى الجسم. مع الإشارة إلى أنها لن تسبب أعراضاً لكل من تدخل إلى جسمه. ففي نسبة 70 في المئة من الحالات يمكن أن تدخل إلى الجسم عبر الطعام أو الشراب من دون أن تسبب أعراضاً، فيما تنتقل العدوى إلى الآخرين من دون الشعور بذلك. أما الأعراض التي يمكن ملاحظتها والتي تستدعي االلجوء سريعاً إلى طبيب فهي:
- إسهال حاد بشكل يتحوّل فيه الغائط إلى سائل، إلى حد يمكن أن يخسر المريض حوالي 25 ليتراً في اليوم.
- جفاف حاد في السوائل في الجسم خلال ساعات قليلة من الإصابة، يظهر من خلال العطش الزائد وتغوّر في العينين والخشونة في الجلد والتعب الشديد.
- تقيؤ أحياناً.
- ارتفاع في الحرارة في حالات قليلة.
ما الفترة التي تظهر بعدها الأعراض؟
تظهر الأعراض على أثر الإصابة بالجرثومة خلال ساعات قليلة، بحسب الكمية التي تم الحصول عليها إلى يومين أو 5 ساعات.
من يعتبر أكثر عرضة لمخاطر الكوليرا؟
لا يعتبر الكل عرضة لمخاطر الكوليرا، ففي حال دخولها إلى الجسم بكميات بسيطة يمكن أن تواجهها حموضة المعدة، فيما يمكن أن تزيد الكميات وتكون أكثر خطورة، خصوصاً على:
- الأطفال
- المسنين
- مرضى السرطان
- من يعانون مشكلات في المناعة
وتشير مطر إلى أن شخصاً من 10 يمكن أن يعاني أعراضاً خطيرة ومضاعفات جراء الإصابة بالكوليرا، بما يستدعي الدخول إلى المستشفى.

كيف تعالج الكوليرا؟
يعتبر علاج الكوليرا سهلاً، ويقضي بترطيب الجسم والعمل على استعادة ما خسره الجسم في الإسهال من فيتامينات ومعادن، وذلك من خلال المصل الخاص بالإسهال لتعويض الصوديوم والبوتاسيوم وكل الإلكتروليتات التي خسرها، بما أنه يستحيل أن يشرب الماء أو السوائل في فترة المرض للتعويض. هذا، وقد يحتاج البعض إلى دخول المستشفى، فيما يمكن أن يعالج آخرون في المنزل بالطريقة نفسها. أما المضاد الحيوي فلا يوصف للكل بل فقط في الحالات الحادة وفي حال ظهور أعراض أكثر صعوبة.
كيف يمكن التمييز بين الإصابة بالكوليرا وحالات الالتهاب المعوي العادية؟
تكثر حالات الإسهال التي يمكن أن تنتج من التهاب معوي. عامةً يكون الإسهال حاداً بشكل زائد، لكن لا يمكن التمييز من دون إجراء الفحص اللازم. لذلك يتم العمل مع منظمة الصحة العالمية في سبيل تأمين أكبر عدد ممكن من الفحوص لكشف المرض والحد من انتشاره واتخاذ كل الإجراءات اللازمة لعزل المريض.
ما الإجراءات التي يجب اتخاذها في حال الإصابة بالكوليرا؟
تعتبر النظافة أولوية في حال الإصابة بالكوليرا، بحسب مطر. والإجراءات الواجب اتخاذها هي:
- غسل اليدين جيداً باستمرار.
- وضع قفازين أو غسل اليدين جيداً في حال لمس البراز لشخص مصاب، خصوصاً في المراكز الطبية أو في المنازل التي ثمة مريض فيها. كما يجب غسل اليدين لمدة 20 ثانية على الأقل بالماء والصابون بعد استخدام الحمام وقبل تحضير الأكل.
- الحفاظ على النظافة الشخصية.
- يجب تناول مياه آمنة معروفة المصدر.
- يجب استخدام مواد تعقيم كالكلور، لأنها قادرة على قتل هذه الجرثومة. لذلك تنصح وزارة الصحة بالتعقيم بوضع نقطتين من الكلور في ليتر من الماء، على أن يتم انتظار بعض الوقت قبل استخدام الماء الذي يحتوي على الكلور حتى يتفاعل وتصبح المياه معقمة بعد موت الجرثومة.
- يجب وضع الكلور في خزانات ماء في المنازل بهدف تعقيم الماء المخصص للاستخدام المنزلي ومياه الشرب أيضاً.
- تعقيم الخضروات والفاكهة لأنها يمكن أن تكون ملوثة.
- تجنب تناول الأطعمة النيئة والأسماك، حيث من الضروري طهوها جيداً في هذه المرحلة الدقيقة في ظل انتشار الكوليرا.
- عدم تناول الأطعمة التي يمكن أن تتعرض للحشرات.
هل يتوافر لقاح للكوليرا؟
اللقاح موجود للكوليرا، إلا أنه غير متوافر حالياً في لبنان، لأن ثمة نقصاً فيه في العالم بسبب تفشي الكوليرا في دول عديدة. وتتم حالياً دراسة طريقة توزيع اللقاح على الدول بحسب الأولويات وبحسب تفشي المرض فيها. أما عند توافره في لبنان، فمن المتوقع أن تتخذ وزارة الصحة قراراً حول طريقة توزيعه لفئات معينة أكثر عرضة للخطر بحسب الأولويات.
نبض