من السودان إلى مالي ... كيف تنشر روسيا بيادقها في أفريقيا؟
استعرضت صحيفة "لوموند" الفرنسية التقدم الروسي في أفريقيا خلال السنوات الخمس الماضية، بعدما تحولت مجموعة "فاغنر" العسكرية الروسية، بإدارة رجل الأعمال الروسي يفغيني بريغوزين، المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أداة التأثير الأساسية لموسكو في القارة، على خلفية تصاعد التوترات والتنافس مع الغرب.
ومن خلال الأنشطة الأمنية والاتفاقيات الدفاعية، تمكنت موسكو أن تجد موطئ قدم لها في الكثير من الدول الأفريقية، ومنها مالي وليبيا والسودان وأفريقيا الوسطى وموزمبيق.
مشروع قاعدة عسكرية في السودان
بعد ثلاثة عقود من فك الارتباط مع أفريقيا في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، بدأت "الملحمة الكبرى" لعودة روسيا إلى القارة السمراء من السودان عام 2017، عندما قرر الرئيس السوداني السابق عمر البشير، الذي استهدفته مذكرتا توقيف متعلقة بجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية، صدرتا عن المحكمة الجنائية الدولية عام 2010، أن يحول اهتمامه نحو موسكو.
وأسهم البشير شخصياً في خدمة سياسة موسكو في الشرق الأوسط. وبعد تنديده بنظام الرئيس السوري بشار الأسد، الذي حال تدخل القوات الجوية الروسية عام 2015 دون اسقاطه، كان الزعيم العربي الأول الذي يزور الأسد رسمياً في كانون الأول (ديسمبر) 2018.
ورغم اطاحة الانتفاضة الشعبية النظام العسكري الإسلامي السوداني في نيسان (أبريل) 2019، لم يؤد التغيير في الحكم إلى قطيعة مع موسكو. وعلى عكس ذلك، أمل مجلس السيادة المسؤول عن تنظيم المرحلة الانتقالية بالحفاظ على هذه الشراكة. وبعد شهر من تسلط القيادة الجديدة مهماتها، أبرمت الدولتان اتفاقيتين عسكريتين جديدتين، تهدف إحداهما إلى تعزيز التعاون في المجال البحري.
وفي تشرين الثاني (نوفمبر) 2020، أعطى الكرملين الضوء الأخضر لبناء قاعدة بحرية في شمال بورتسودان، على شواطئ البحر الأحمر، لتصبح أول قاعدة عسكرية روسية في أفريقيا منذ تفكك الاتحاد السوفيتي، عند المنبع من مضيق باب المندب الاستراتيجي، الذي يشمل حوالي 10 في المئة من حركة مرور البضائع. ورغم تعليق الاتفاق في نيسان (أبريل) 2021، أشارت مصادر عدة إلى احتمال إعادة النظر فيه.
امدادات عسكرية لأفريقيا الوسطى
من منطلق التوسع الجغرافي، سهّل السودان الامتداد الروسي نحو جمهورية أفريقيا الوسطى المجاورة، حيث دشنت موسكو دخولها إليها من الخرطوم على متن طائرة نقل عسكرية من طراز "إليوشن 76" في 26 كانون الثاني (يناير) 2018.
وقبل ذلك بأسابيع قليلة، استخدمت روسيا حق النقض ضد الطلب الفرنسي برفع جزئي لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة على الدولة عام 2013. واقترحت باريس على رئيس أفريقيا الوسطى فوستين أرشانج تواديرا التفاوض حول إعفاء مع موسكو.

وإلى جانب اتفاقيات عدة، حصلت شركتان تابعتان لبريغوزين على تراخيص للتعدين في البلد.
في المقابل، نشرت روسيا ما بين 2000 و2500 جندي في جمهورية أفريقيا الوسطى. ولم تنجح التحذيرات الفرنسية، التي علقت دعم الميزانية والتعاون العسكري في بانغي في حزيران (يونيو) 2021، على أمل الحد من الحملات المناهضة للفرنسيين التي تقودها موسكو، ولا إحراج بروكسل، التي جمدت مؤقتاً تشكيلاتها العسكرية لتجنب أي تواطؤ مع المسلحين، في الحد من النفوذ الروسي في المنطقة.
قمة سوتشي عام 2019
في 23 تشرين الأول (أكتوبر) عام 2019، عقدت القمة الروسية الأفريقية الأولى في مدينة سوتشي، وجمعت بوتين بالعشرات من رؤساء الدول الأفريقية، وسعت موسكو من خلالها إلى إضفاء طابع رسمي على حضورها في القارة، مُستغِلَّة الخلافات الدبلوماسية مع القوى الغربية، لتوسيع وجودها في أفريقيا واختراق الهياكل العسكرية والسياسية فيها.
إلى ذلك، لجأت روسيا إلى "القوة الناعمة"، مرحبة بطلاب من جنوب الصحراء في الجامعات الروسية، الذين يتراوح عددهم بين 7و9آلاف طالب سنوياً، فضلاً عن انتشار محتوى شبكتي "آر تي" و"سبوتنيك" عبر الشبكات الرقمية الأفريقية.
سياسة رخيصة
ويشهد الاستثمار الروسي حالة ركود عند أقل من 1 في المئة من إجمالي الاستثمار الأجنبي في أفريقيا. ولم يلق تطوير لقاح "سبوتنيك في" ضد كورونا النجاح المتوقع.
في النتيجة، لا تزال موسكو لاعباً ثانوياً في أفريقيا، معتمدة إلى حد بعيد على الأمن والطاقة. ومن جهتها، لا تعتبر أفريقيا روسيا سوقاً محتملاً، ما يحد من رغبتها في التقارب السياسي معها.
ويظهر التدخل الروسي في مناطق تعاني من عدم الاستقرار أو أماكن شاغرة خلفتها قوى أخرى، لا سيما فرنسا.

المرتزقة الروسية في مالي
نشرت روسيا أكثر من 600 جندي إضافي في مالي، ليصل عدد المجموعة إلى ألف خلال أسابيع قليلة. وتشير مصاد مالية وفرنسية إلى أن المجموعة الروسية تعمل إلى جانب القوات المالية. وفي كانون الثاني (يناير)، تفاخر المجلس العسكري بالنجاحات العسكرية ضد الجهاديين في المنطقة بفضل الدعم الروسي.

وفي أيلول (سبتمبر)، حذّر وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، نظيره الروسي سيرغي لافروف من تداعيات خطيرة لأي انخراط للمرتزقة الروس في النزاع في مالي.
الإخفاقات الروسية في موزمبيق
في المقابل، تظهر إخفاقات روسيا في أفريقيا، لا سيما من خلال هزيمة المرتزقة في موزمبيق، حيث تصاعدت الهجمات الإرهابية في الآونة الأخيرة.
وفي وقت تخضع مختلف قطاعات التعدين في موزمبيق لسيطرة الشركات، التي غالباً ما تكون مرتبطة بجنرالات موزمبيقيين من فصائل مختلفة، سرعان ما أدركت موسكو أن الأرباح في البلد محدودة، وخزائن الدولة الفارغة.

وتحولت الحرب "منخفضة التكلفة" إلى كارثة، وسقط الجنود في كمائن، ما أشار إلى أن تحركاتهم كانت معروفة. وتكبدت المجموعة الروسية خسائر باهظة، وقُطعت رؤوس بعض أفرادها، فضلاً عن مقتل آخرين بـ"نيران صديقة" من الجنود الموزمبيقيين.