هل تنجح وساطة ترامب في فك عقدة سدّ النهضة؟
لقي التزام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالتوصل إلى حل دائم لأزمة سدّ النهضة الإثيوبي ترحيباً رسمياً من مصر والسودان، كما فتح باباً واسعاً لنقاشات في دوائر سياسية وبرلمانية وإعلامية، امتدت إلى الأوساط الشعبية.
وأعلن المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية المصرية السفير محمد الشناوي، مساء الثلاثاء، أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سيلتقي الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.
وقال الشناوي إن اللقاء سيكون "للتباحث بشأن آخر المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وبحث سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين مصر والولايات المتحدة بما يخدم مصالح البلدين ويعزز الاستقرار الإقليمي والدولي".
ومن المتوقع أن يتطرق اللقاء إلى الوساطة الأميركية التي أعلن الرئيس المصري ترحيبه بها، في رده على رسالة الشكر التي وجهها الرئيس الأميركي للسيسي يوم الجمعة، وأعرب خلالها عن استعداده لاستئناف الوساطة التي قادتها واشنطن في الفترة من 2019 إلى 2020.
وكان كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، قال إن "حل التوترات المحيطة بسد النهضة الإثيوبي الكبير يُعد أولوية قصوى للرئيس الأميركي، في إطار جهوده لتعزيز سلام دائم في أفريقيا والشرق الأوسط، ومنع اندلاع صراع عسكري واسع بين مصر وأثيوبيا".
ورغم الفشل الذي مُنيت به المساعي الأميركية سابقاً، فإن ثمة توقعات بنتائج أكثر إيجابية هذه المرة، نظراً لتدخل ترامب وإلقائه بثقله شخصياً خلف الجهود المرتقبة.
نفوذ الولايات المتحدة
يرى الأمين العام المساعد الأسبق لمنظمة الوحدة الأفريقية السفير أحمد حجاج أن فرص نجاح المساعي الأميركية كبيرة، ويقول لـ"النهار": "لدى الولايات المتحدة نفوذ واسع في إثيوبيا، بل وفي منطقة القرن الأفريقي كلها".
ويشير حجاج إلى أن "ما جاء في رسالة الرئيس الأميركي هو امتداد لجهوده السابقة، عندما رعى مفاوضات بين الدول الثلاث (في فترة رئاسته الأولى)، وتوصل إلى اتفاق بموافقة إثيوبية، لولا أن أديس أبابا انسحبت فجأة بقرار منفرد ورفضت التوقيع".

ويضيف أن "مصر، من حيث المبدأ، لا تعترض على بناء مشروعات تنموية في دول حوض النيل، ولكن يهمها أن تأخذ تلك الدول في الاعتبار، وبشكل ملزم، الآثار التي قد تترتب على تلك المشروعات في دولتي المصب (مصر والسودان)".
ويتابع: "قامت القاهرة بتشييد مشروعات (سدود) في تنزانيا وجنوب السودان، ولا تعترض على أي تنمية في حوض النيل. كما أن الخرطوم والقاهرة لهما مواقف متشابهة، بل إنهما متحدتان، وقد رحبتا برغبة ترامب في التوسط لحل أزمة سد النهضة"، في إشارة إلى أن الكرة الآن في ملعب إثيوبيا.
أدوات الضغط
من جانبه، يعتقد الخبير في الشؤون الأفريقية رامي زهدي أن "الولايات المتحدة لا تمثل طرفاً فنياً قادراً على تقديم حلول هندسية أو قانونية جديدة، فجميع تفاصيل ملف السد معروفة، وكل السيناريوات التفاوضية استُهلكت، سواء عبر الاتحاد الأفريقي، أو الرعاية الأميركية السابقة، أو مسارات التفاوض الثلاثي".
ويضيف في حديثه لـ"النهار": "الجديد يكمن في أدوات الضغط المحتملة، التي قد تشمل الضغط الاقتصادي على إثيوبيا، باعتبارها الطرف المتعنت، سواء عبر المؤسسات المالية الدولية، أو أدوات المساعدات، أو من خلال الضغط السياسي والديبلوماسي. كما قد يشمل الأمر طرح تسوية سياسية أوسع تربط ملف السد بملفات إقليمية أخرى في القرن الأفريقي".
ويشير زهدي إلى أن "واشنطن قد تستخدم هذه الأدوات منفردة أو مجتمعة"، لافتاً إلى أن "التدخل الأميركي، وإن لم يكن الأول من نوعه، فإنه أكثر قوة هذه المرة من حيث الخطاب، لكنه لا يزال حتى اللحظة غير حاسم ولا مضمون النتائج".
مقايضة مرفوضة
ثمة تلميحات أو "بالونات اختبار" يُعتقد أن إثيوبيا مررتها بصورة غير رسمية عبر وسائل إعلام وصفحات إثيوبية، عقب إعلان ترامب عزمه على حل أزمة سد النهضة، وكانت هذه التلميحات تتعلق بحصولها على منفذ بحري مقابل موافقتها على توقيع اتفاق مُرضٍ لمصر والسودان، وهي مقايضة يُرجح أن تكون مرفوضة بالنسبة للقاهرة.
كذلك، يرى مراقبون مصريون أن مصر لم تعد في وضع يسمح لإثيوبيا باستخدام السد كورقة ضغط، للقبول بأن تمتلك دولة غير مطلة على البحر الأحمر منافذ أو قواعد عسكرية، وهو ما تعتبره مصر "خطاً أحمر" يمس أمنها القومي، بحسب تصريحات سابقة لوزير خارجيتها الدكتور بدر عبد العاطي.
وكتب أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية في جامعة القاهرة الدكتور عباس شراقي، على "فايسبوك"، إن "سد النهضة ليس مسألة حياة أو موت بالنسبة لمصر، فقد انتهى البناء واكتمل التخزين. وكانت السنوات الخمس (2020–2024) الأكثر ضرراً على مصر، لأنها سنوات الملء الأولى لبحيرة السد، حيث حُجز جزء من الإيراد السنوي بلغ 64 مليار متر مكعب، إضافة إلى أكثر من 40 مليار متر مكعب تبخر وتسريب على مدار السنوات الخمس، ولولا السد العالي والتدابير المصرية لحدثت كارثة محققة".
وأضاف زهدي: "لا أعتقد أن القاهرة تقبل بحصول إثيوبيا على منفذ بحري، ولا هي في موضع ضغط يجبرها على قبول ذلك".
نبض