إيداع بغداد خرائط حدودها البحرية لدى الأمم المتحدة يجدّد الخلاف العراقي – الكويتي
بغداد – محمد عماد
تجدد التوتر الديبلوماسي بين العراق والكويت بعد إيداع بغداد خرائط حدودها البحرية لدى الأمم المتحدة، في إجراء تعتبره الحكومة العراقية تثبيتاً لحقوقها السيادية. في المقابل، اعتبرت الكويت الخطوة أحادية وتمس ملفات حدودية سبق أن نظمتها قرارات دولية واتفاقيات ثنائية، وسط تحذيرات من أن أيّ تصعيد قد يعقّد العلاقات الثنائية ويؤثر في الاستقرار الإقليمي.
ويأتي هذا التطور في ظل حساسية تاريخية تحيط بملف ترسيم الحدود البحرية بين البلدين، خصوصاً في المناطق المتداخلة في خور عبد الله والممرات المائية الحيوية، ما يعيد إلى الواجهة جدلاً قانونياً وسياسياً مستمراً.
وأعلنت وزارة الخارجية العراقية، السبت، إيداع قوائم إحداثيات خط الأساس للبحر الإقليمي والمناطق البحرية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982. ويتضمن الإيداع "تحديد خطوط الأساس المستقيمة، وخطوط الأساس المستندة إلى أدنى الجزر لقياس عرض البحر الإقليمي، فضلاً عن الحدود البحرية، والمنطقة المتاخمة، والمنطقة الاقتصادية الخالصة، والجرف القاري".
وردت وزارة الخارجية الكويتية سريعاً باستدعاء القائم بأعمال السفارة العراقية، وتسليمه مذكرة احتجاج رسمية، تتعلق بالمساس بسيادة الكويت على مناطقها البحرية.

تاريخ النزاع
يعود النزاع البحري بين البلدين إلى سنوات طويلة، منذ أن حدد العراق حدوده مع الكويت عام 1932 وأقرّها رسمياً عام 1963، إلا أن مصير منطقة خور عبد الله ظل معلقاً. وتصاعدت الخلافات منذ مطلع التسعينيات بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990، ما أدى إلى تدخل دولي واسع وترتيبات قانونية لتنظيم الحدود البرية والبحرية بإشراف الأمم المتحدة. وفي هذا السياق، أقرّ مجلس الأمن القرار 833 لعام 1993، الذي ثبّت ترسيم الحدود بين البلدين، بما في ذلك الجوانب البحرية، إلا أن القرار ظلّ محلّ جدل سياسي وقانوني داخل العراق لسنوات طويلة.
ويُعد ملف خور عبدالله أبرز نقاط الخلاف، نظراً لأهميته الاستراتيجية كممر ملاحي حيوي يربط الموانئ العراقية بالمياه الإقليمية. وبينما تؤكد الكويت التزامها بالقرارات الدولية والاتفاقيات الثنائية، ترى أطراف سياسية عراقية أن بعض الترتيبات ألحقت ضرراً بالمصالح البحرية للعراق أو حدّت من حركته الملاحية.
في عام 2012، أبرم البلدان اتفاقية لتنظيم الملاحة البحرية وضمان مصالحهما، لكن الخلاف استمر. وتقدّم العراق عام 2019 بشكوى لمجلس الأمن ضد الكويت بتهمة إحداث تغييرات جغرافية في المنطقة الواقعة بعد العلامة 162، وهو الامتداد البحري الذي لم يُستكمل ترسيمه منذ صدور قرار مجلس الأمن 833.
وفي أيلول/سبتمبر 2023، أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في العراق حكماً بعدم دستورية اتفاقية خور عبد الله، معتبرة أن المصادقة عليها لم تجر وفقاً للدستور العراقي، الذي يتطلب موافقة ثلثي أعضاء البرلمان على المعاهدات الدولية. وأثار القرار استياء الكويت، التي اعتبرته "ادعاءات تاريخية باطلة"، واحتجت رسمياً لدى بغداد.
واعتبر مستشارو رئيس الوزراء حينها القرار جزءاً من حملة انتخابية مبكرة، إذ يواجه رئيس الوزراء انتقادات بسبب رد فعله على المعاهدة الملغاة، في حين أكّد حلفاؤه أن رد الفعل العنيف مدفوع بالانتخابات.
ويعترض العراق على اعتماد "خط المنتصف" في خور عبد الله، مفضلاً الترسيم بناءً على "أعمق نقطة" في المجرى الملاحي، نظراً لتراكم الطمي في المناطق العراقية، بينما تؤكد الكويت أن قرار مجلس الأمن 833 يشمل ترسيم الحدود البحرية والبرية بشكل نهائي، وهو ما يرى العراق أنه لم يغطِّ كامل الحدود البحرية العميقة.

جدل مستمر
في هذا الإطار، تأتي خطوة إيداع الخرائط البحرية لدى الأمم المتحدة لتعيد النقاش إلى نقطة حساسة، ولتفتح الباب أمام تساؤلات حيال مستقبل إدارة الملف بين الجانبين، في ظل حرص معلن على تجنب التصعيد والحفاظ على العلاقات الثنائية.
يقول الخبير في الحدود والمجالات البحرية اللواء جمال الحلبوسي لـ"النهار"، إن "خرائط العراق تدعمه قانونياً وفنياً في أيّ نقاشات دولية تتعلق بترسيم الحدود البحرية، ولا سيما ما يتعلق بملف خور عبد الله بعد الدعامة 162، بما يعزز قدرة الدولة على حماية حقوقها البحرية على المستوى الدولي".
وبموجب الخرائط الجديدة، أصبح العراق مشتركاً في حقل "جمال طوينة 2" مع الحقول الكويتية والإيرانية في المنطقة الاقتصادية الخالصة، بعدما كانت هذه الحقول تحت سيطرة الكويت فقط.
في المقابل، أكد الإعلامي الكويتي أحمد الملا أن قرار مجلس الأمن لسنة 1993 الصادر تحت الفصل السابع يحسم الحدود البحرية الكويتية نهائياً، بعد ترسيم لجنة الأمم المتحدة للحدود بين الكويت والعراق؛ وهو قرار مُلزم ومعترف به دولياً، وأودِعت إحداثياته لدى الأمم المتحدة.
نبض