تل أبيب ودمشق تعودان للتفاوض... ضغط أميركي باتجاه تفاهم أمني؟
جولة جديدة من المحادثات تخوضها كل من سوريا وإسرائيل في العاصمة الفرنسية باريس، برعاية أميركية. هذه المفاوضات التي من المتوقع أن تمتد إلى يومين ستكون استكمالاً للجولات السابقة التي عقدت قبل أشهر، ولم تسفر عن نتائج فعلية لأسباب عدة، منها غياب الجدّية الإسرائيلية بالتوصّل لاتفاق، والشروط العالية السقف من الطرفين.
هذه الجولة الجديدة قد تكون إحدى النتائج الأولية لقمّة فلوريدا بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. فخلال اللقاء الأخير، تعهّد ترامب بمحاولة تحسين العلاقات بين نتنياهو والرئيس السوري أحمد الشرع، آملاً التوصّل إلى اتفاق بين دمشق وتل أبيب. وبالتالي، قد تكون ضغوط ترامب أثمرت عودة المفاوضات.
ورقة ضغط إسرائيلية
لم تطرأ تغيرات جوهرية على الواقع الإسرائيلي – السوري تنبئ بنتائج مختلفة خلال هذه الجولة مع استمرار التوغلات الإسرائيلية، سوى لقاء نتنياهو – ترامب وإصرار الأخير على خفض التصعيد بين الطرفين والتوصّل لصيغة تفاهم. لكن لا بد من الإشارة إلى الواقع السوري الداخلي غير المستقر وعلاقة إسرائيل بزعزعة استقرار الساحل والسويداء والمناطق الكردية في الشمال الشرقي.
الاستقرار السوري الداخلي ورقة تستثمرها إسرائيل للضغط على السلطات السورية. ثبت تواصل إسرائيل مع عدد من الفاعليات في السويداء والشمال الشرقي السوري، وهذا التواصل يشتبه بأنّه يمتد إلى الساحل السوري أيضاً. وبالتالي، قد تكون الحركة السورية الداخلية عامل ضغط يدفع بدمشق للتوصّل إلى اتفاق مع تل أبيب وتخفيض سقف التصعيد الداخلي.

نجح ترامب في محطات سابقة بالضغط على نتنياهو للتوصّل إلى اتفاقات أو خفض التصعيد. فخلال الحرب مع إيران التي استمرت 12 يوماً، ألزم ترامب نتنياهو بوقف الهجمات بعد قصف المفاعلات النووية إضافة إلى عوامل أخرى. وفي غزّة، يواصل ترامب ضغوطاً لاستمرار وقف النار الذي تم التوصّل إليه برعايته، وبالتالي أي صيغة تفاهمية ستكون بضغط أميركي.
اتفاق أمني أم تطبيع؟
أفق الاجتماعات الباريسية ضبابية وغير واضحة. النتائج غير مضمونة، والضغط الترامبي قد يثمر نتائج إيجابية وقد لا يثمر، لأن "الفجوة" واسعة بين إسرائيل وسوريا، وفق ما يقول محللون. سبب الفجوة فائض القوة العسكرية الإسرائيلية والقدرة على التوغّل والحركة وفرض المعادلات العسكرية دون الحاجة لاتفاق مع سوريا.
مصادر ديبلوماسية قالت لـ"أكسيوس" إن إدارة ترمب تضغط على كل من إسرائيل وسوريا للتوصل إلى اتفاق من شأنه المساعدة على استقرار الوضع الأمني على حدودهما، وربما تكون الخطوة الأولى نحو تطبيع العلاقات الديبلوماسية مستقبلاً. لكن محللين يجمعون على أن التطبيع "صعب" في المرحلة الآنية، وأفق التفاهم صيغة أمنية.
وكالة "سانا" نقلت عن مصدر حكومي قوله إن المباحثات تتركز على إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط الثامن من كانون الأول/ ديسمبر 2024، "ضمن إطار اتفاقية أمنية متكافئة تضع السيادة السورية الكاملة فوق كل اعتبار وتضمن منع أي شكل من أشكال التدخل في الشؤون الداخلية السورية".
على المقلب الآخر، نقلت صحيفة "جيروزاليم بوست" عن مصدرين قولهما إن إسرائيل والولايات المتحدة توصلتا إلى تفاهمات متبادلة بشأن قضيتين محوريتين: استمرار حرية إسرائيل في العمليات داخل سوريا لتحييد التهديدات الناشئة، والمضي قدماً في المحادثات التي ترعاها الولايات المتحدة مع سوريا بهدف صياغة ترتيب أمني جديد.
الموقفان السوري والإسرائيلي يضعان المفاوضات والاتفاق المحتمل في إطار التفاهمات الأمنية لا السياسية. وفي هذا السياق، سبق وتوقع نانار هواش، كبير باحثي الشأن السوري في "مجموعة الأزمات الدولية" خلال حديث مع "النهار" ترتيبات "تقنية محدودة" وآليات لتجنّب التصعيد، وربما انسحاب جزئي من بعض النقاط، وضمانات أميركية بتخفيف الغارات.
في المحصّلة، فإن الأنظار تتجه نحو الجولة الخامسة من المفاوضات الإسرائيلية السورية، والعين على احتماليات تحقيق خرق ممكن بدفع أميركي لتهدئة الصراع في المنطقة وترتيب الوضع السوري الداخلي الذي سيكون عاملاً اقتصادياً يريده ترامب في خططه الشرق أوسطية المقبلة. لكن في الآن عينه، الفجوات كبيرة والقدرة الإسرائيلية العسكرية لا تستدعي اتفاقات سياسية بالنسبة لإسرائيل.
نبض