انتشرت الألعاب الإلكترونية في المغرب ولا سيما بين الشبّان كوسيلة للترفيه وقضاء الوقت، لكن سرعة تطوّر هذه الألعاب شكلت لدى الدولة والمؤسسات المعنية رؤية أوسع بشأن أهمية هذا القطاع وسبل الاستفادة منه وتحويله إلى قطاع جاذب للاستثمار.
ومن بين النماذج الواعدة التي حققت خطوات ملموسة في هذا المجال أنس موسى (21 عاماً) ابن مدينة الحسيمة الساحلية الذي بدأ هاوياً قبل سنوات قليلة حتى استطاع أن يصل إلى نهائي كأس العالم لكرة القدم الإلكترونية 2024 في الرياض.
كذلك نجحت ابتسام فرحان، التي نشأت في حيّ شعبي بالدار البيضاء، في تحقيق منجز مغربي في مجال الألعاب الإلكترونية حين فازت بالمركز الأول في بطولة البحر المتوسط للرياضات الإلكترونية التي أقيمت في ليبيا شهر آب/ أغسطس الماضي.
وقالت ابتسام "قرار الاحتراف جاء بشكل طبيعي بعدما لاحظت أنني قادرة على المنافسة في مستويات عالية، كنت دائماً أبحث عن التحديات، وعندما بدأت بتحقيق نتائج جيدة في البطولات، شعرت بأن هذا المجال يمكن أن يكون أكثر من مجرد هواية".
هذا الشغف المتزايد تردّد صداه في أروقة المؤسّسات والوزارات المعنيّة التي شرعت في وضع القواعد التنظيمية وإقامة البطولات المحلية وتأسيس منتخبات وطنية مع الانفتاح على الاستثمار في البنى التحتية لتحويل المغرب إلى مركز إقليمي وعالمي للألعاب الإلكترونية لا على مستوى الممارسة فحسب بل في مجال الابتكار والبرمجة.
تقول نسرين السويسي، المسؤولة عن تطوير صناعة الألعاب الإلكترونية بوزارة الشباب والثقافة والتواصل "هذا الشغف ليس مجرد ظاهرة مؤقتة كما يعتقد البعض، بل هو تعبير عن جيل يبحث عن هويّة رقمية خاصة به، سواء من خلال اللعب التنافسي الذي يجمع الملايين أو من خلال الإبداع في تطوير الألعاب".
وأضافت "دورنا هو تحويل هذه الحماسة إلى فرص عمل وإنجازات ملموسة من خلال توفير البنية التحتية والتدريب اللازم لهم ليصبحوا جزءاً من هذه الصناعة".
وتشيد نسرين بالمبادرات التي أطلقتها الدولة لدعم القطاع الناشئ ومنها مشروع (مدينة الألعاب الإلكترونية) في الرباط الذي بدأ في الآونة الأخيرة بهدف توفير منصات تدريبية وإبداعية حديثة وخلق بيئة متكاملة لدعم صناعة وتطوير الألعاب.
وترى اللاعبة ابتسام فرحان أن الألعاب الإلكترونية تتيح الفرصة للفتيات لإبراز إمكانياتهن إذ تقول إن "مستقبل الرياضات الإلكترونية للنساء في المغرب واعد جداً، خاصة مع تزايد عدد اللاعبات المشاركات في البطولات المحلية والدولية".
وتعتبر أن فوزها ببطولة البحر المتوسط للرياضات الإلكترونية لم يكن مجرد إنجاز شخصي، بل بداية لتحفيز جيل جديد من اللاعبات إذ تسعى إلى تغيير الصورة النمطية للمرأة في الألعاب وتصبح نموذجاً يلهم الفتيات الأخريات لاقتحام هذا المجال.
ولا تجذب الألعاب الإلكترونية اللاعبات في المغرب فحسب بل اقتحمت الفتيات مجال البرمجة والتصميم ومنهن سلمى محضر التي تحلم بصنع ألعاب تعكس الروح والهوية المغربية.
وقالت سلمى لـ"رويترز": "لدينا اهتمام العديد من الشبان المغاربة الذين يريدون تحويل شغفهم إلى مهنة في تطوير الألعاب أو ببساطة تعلم مهارات إنشاء ألعاب الفيديو، وهذا دفعهم للانضمام إلى مجتمعات تطوير الألعاب المخصّصة مثل مجموعة (مطوّري الألعاب المغاربة)، فظهر أن المزيد من الشبان مهتمّون بصناعة الألعاب، لا فقط لعبها".
وختمت بالقول "لضمان نجاح عالمي للعبة، يجب أن تتابع اتجاهات الألعاب الحديثة، ما هو جديد في الصناعة، وتستمع إلى آراء اللاعبين في كل مراجعة للعبة لفهم ما حدث خطأً أو ما حدث بشكل صحيح. ببساطة، يجب أن تكون شخصاً مبدعاً، تحليلياً، صبوراً ومتفهّماً".
سوق الألعاب المغربية
بحسب التقديرات الرسمية تبلغ قيمة سوق الألعاب المغربية 2.24 مليار درهم (نحو 230 مليون دولار) مع التطلع لمضاعفة هذه القيمة إلى خمسة مليارات درهم بحلول 2030.
ورغم التطوّر السريع والانتشار الواسع للألعاب الإلكترونية في المغرب فإن ثمة تحدّيات تواجه القطاع الواعد من وجهة نظر المتخصّصين.
ويقول الإعلامي المتخصّص في الألعاب والرياضات الإلكترونية الطيب جبوج إن البنية التحتية للإنترنت في المغرب شهدت تطوّراً كبيراً في السنوات القليلة الماضية ولا سيما في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط ومراكش لكن لا تزال هناك تفاوتات في المناطق الريفية أو الأقلّ تطوّراً.
وأضاف: من أجل تحقيق نتائج أفضل مستقبلاً يحتاج الأمر إلى تعزيز البنية التحتية الرقمية، وتشجيع تدريب المواهب، والاستثمار في التدريب والبحث، وإقامة أحداث رياضية إلكترونية منظمة تسمح بتوحيد مجتمع يتزايد عدده باستمرار.
نبض