"يا طلاب العالم اتحدوا"...!

كتاب النهار 30-04-2024 | 05:10

"يا طلاب العالم اتحدوا"...!

فيما تركّزت الأنظار على جامعات كولومبيا و"إن واي سي" وهارفرد وييل... الأميركية التي انتفضت لنصرة غزة، كانت رقعة الاحتجاجات الطلابية تتسع في بريطانيا ودول أوروبية مجاورة.
"يا طلاب العالم اتحدوا"...!
الاحتجاجات الطالبية تعمّ جامعات أميركا وأوروبا. أ ف ب
Smaller Bigger
فيما تركّزت الأنظار على جامعات كولومبيا و"إن واي سي" وهارفرد وييل... الأميركية التي انتفضت لنصرة غزة، كانت رقعة الاحتجاجات الطلابية تتسع في بريطانيا ودول أوروبية مجاورة. الشعارات التي رفعوها جميعاً متجانسة، إن لم تكن متطابقة. وثمة توافق بين طلاب أوروبا وزملائهم في أميركا وأستراليا وكندا، ممن يؤكّدون جميعاً أنّهم في خندق واحد.
 
إلّا أنّ هذا الحراك الطالبي الأوروبي والبريطاني، الأقل منه حجماً وزخماً لم يلفت الاهتمام بالقوة نفسها بعد. وربما كانت مسيرات لندن المتواصلة على الرغم من المؤامرات والتشويه التي تواجهها، تساهم بخطف الضوء عن انتفاضة الجامعات البريطانية. غير أنّ غداً لناظره قريب، كما يقول طلاب "أبطال".
 
في غضون ذلك، عبّر مئات الطلاب في عقر دار المؤسسة الفرنسية في باريس عن معارضتهم لحرب غزة، إذ احتلوا "معهد الدراسات السياسية"، حيث درس الرئيس إيمانويل ماكرون وتتعلّم النخبة فنون السياسة وأسرارها. وهناك كرّروا الدعوة التي سمعها العالم من الطلاب بلغات مختلفة وجامعات دول شتى، لجهة قطع علاقة الجامعات "بشركات متواطئة في حرب الإبادة".
 
وفي لندن التي ضجّت بالاحتجاجات في الجامعات وخارجها، أكّد وزير الداخلية البريطاني جيمس كليفرلي، الذي طالما شدّد على أنّه "عاشق" أزلي لإسرائيل، دعمه لأنصار تل أبيب. وعبّر كبير الشعبويين نايجل فراج عن ألمه لأنّ "جامعاتنا أصبحت مناطق تحظّر فيها حرّية التعبير" بفعل الاعتصامات المناهضة لحرب إسرائيل. وعلى عادتها، تدفقت اتهامات "معاداة السامية" على الطلاب المشاركين فيها. وهذا يُذّكر بتهمة الشيوعية التي كانت تُوجّه للأميركيين من مناوئي حرب فيتنام وناشطي حركة الحقوق المدنية في ستينات القرن الماضي.
 
في هذه الأثناء، توزّع الطلاب وبعض أساتذتهم على خيام أقيمت في مواقع مركزية من حرم جامعتي "وريك" في كوفنتري و"يو سي إل" (جامعة كلية لندن). ودخلت جامعة أكسفورد على خط الاحتجاجات، كما كانت جامعات إدنبره وسانت أندروز في اسكتلندا، وكارديف في ويلز مسرحاً لنشاطات تندّد بحرب إسرائيل على غزة. ونُظّمت في "كلية الدراسات الشرقية والإفريقية" التابعة لجامعة لندن وجامعات مانشستر وبريستول ولييدز، تحركات محدودة لشجب الحرب.
 
أما جامعة غلاسكو الإسكتلندية، والتي انتخبت الشهر الماضي الجراح الفلسطيني- اللبناني غسان أبو ستة رئيساً لها، فانتفضت قبل نحو ثلاثة أشهر، داعيةً الجامعة إلى التوقف عن الاستثمار "في صناعة الأسلحة"، بما في ذلك أنظمة صواريخ "تستخدمها إسرائيل الآن في حرب الإبادة".
 
وحقّق طلاب جامعة يورك في شمال بريطانيا نجاحاً لافتاً على هذا الصعيد، حينما أعلنت الإدارة استجابتها لهم وقطع صلاتها بهذه الشركات.
وصارت المطالبة بالكف عن التعاون مع منتجي أدوات القتل وتجارها ممن يزودون إسرائيل الحمم التي تلقيها على غزة، من الشعارات الثابتة في الحراك الطالبي البريطاني والأوروبي، علماً أنّ استثمارات الجامعات البريطانية كلها في هذه الصناعة قُدّرت بـ 420 مليون جنيه استرليني.
 
وتشتمل الشعارات أيضاً على المناداة بوقف فوري لحرب الإبادة، وقطع أواصر الصداقة المتينة مع مؤسسات أكاديمية إسرائيلية تخدم سلطات الاحتلال بأشكال مختلفة، والحضّ على دعم الطلاب الفلسطينيين لمتابعة تحصيلهم العلمي.
 
والواقع أنّ الجامعات البريطانية أشبه بمملكة الصهاينة التي ثمّنتها إسرائيل دائماً. وحرصت من أوائل القرن الماضي على نشر الناشطين، بمن فيهم "جواسيس ينقلون المعلومات ويرفعون التقارير عن الطلاب والأكاديميين والموظفين ... للحكومة وأجهزتها، ويشوهون سمعة خصومهم"، على حدّ تعبير أكاديمي بريطاني. وهناك العشرات من المنظمات المؤيّدة لإسرائيل، منها "هيلل" (مؤسسة الحياة اليهودية في الحرم الجامعي) التي أُطلقت في 1923 وتنشط في آلاف المؤسسات الأكاديمية في بريطانيا والعالم. وإلى جانبها "تحالف إسرائيل في الحرم الجامعي" الذي تأسس في الولايات المتحدة قبل 22 عاماً. ويلعب "اتحاد الطلاب اليهود" دوراً مهماً في بريطانيا في عمليات التقصّي والإساءة الى أنصار فلسطين.
 
يضبط هؤلاء عملية استعمال "معاداة السامية" سلاحاً فتّاكاً ضدّ كل من يغمز من قناة إسرائيل. وهناك ما يتراوح بين 250 و300 موظف وأكاديمي تمّ التحقيق معهم بهذه الشبهة منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي وهُدّدوا بالطرد. إلّا أنّ هذا التحامل لا ينجح دوماً. وكشفت دراسة عن أنّ حالتين فقط من أصل 40 ثبتت فيهما تهمة معاداة السامية بين 2017 و2022. وكان المتهمون في الغالب ملونين ومسلمين وعرب!
 
من ضحايا هذا "التلفيق" مالية بوعطية، ذات الأصول الجزائرية، التي كانت أول عربية تُنتخب رئيسة "الاتحاد الوطني للطلاب" في بريطانيا في 2015. حاربها الصهاينة بلا هوادة بسبب نشاطها السابق في حركة مقاطعة إسرائيل وتصفية الاستثمارات معها وفرض عقوبات عليها. بيد أنّها بقيت حتى نهاية ولايتها. أما التونسية شيماء دلالي التي وصلت إلى رئاسة الاتحاد نفسه في 2022، فلم تبقَ في منصبها سوى نحو شهر، إذ فُتح تحقيق بانتهاكاتها المزعومة، ومنها تغريدة هاجمت فيها الصهيونية دفاعاً عن غزة، قبل 10 سنوات! وتقرّر تجريدها من صلاحياتها. وقد رفعت دعوى ضدّ الاتحاد لم تبت حتى الآن.
 
اللافت أنّ كلاً من بوعطية ودلالي انتُخبتا من قبل ممثلي أعضاء الاتحاد الذي يضمّ 7 ملايين طالب في نحو 600 جامعة. أما "اتحاد الطلاب اليهود" خصمهما الرئيسي، فيضمّ 9000 طالب.
 
إلى ذلك، تشهد دول مؤيّدة تاريخياً لفلسطين، مثل إيرلندا وإسبانيا، تظاهرات للدفاع عن غزة. لكن لا تتوفر معلومات عن اعتصامات طالبية فيهما أو في ايطاليا. فهل لا يزال طلابهم يستعدون للتعبير عن موقفهم، أم أنّ ما يجري في أميركا طمس أخبار ما يقومون به؟
 
في كل الأحوال، لا يخلو الحراك الطالبي من تداعيات سلبية، يضخّمها الصهاينة عادة. فقد زعم طلاب أنّهم تعرّضوا للضرب والتهديد في "جامعة كلية لندن" لكونهم يهوداً، كما ذكرت صحيفة "جويش كرونيل"، في رواية لم تضمّ شهادات من الشرطة أو جهات محايدة. ولا يستبعد أن يكون في هذه الأنباء بعض الحقيقة. فسلاح "معاداة السامية" الذي يضربون به، ذو حدين. ويحذّر ناجون من المحرقة النازية يشاركون بانتظام بمسيرات غزة، من تفاقم هذه النزعة العنصرية بسبب ما ترتكبه إسرائيل وأنصارها!
 
لن تكفي معارضة طلاب بريطانيا وأوروبا لإنقاذ غزة. لكن مع اتساع نطاقها قد تساهم في إيقاظ ضمير العالم. لن تغيّر وجه المنطقة على غرار تظاهرات أيار (مايو) 1068 الفرنسية، إلّا أنّها ستشكّل جسراً مع الشرق الذي يقدّر شجاعة المشاركين فيها وإنسانيتهم. وستترك بصمة واضحة على الحياة السياسية، تؤكّد أنّ هناك ضمائر حية ستكون بالمرصاد لكل متطرّف لا يحب الحياة.

الأكثر قراءة

مجتمع 5/15/2026 11:54:00 AM
فيديو يظهر إشكالاً في الناعمة يتطور لتضارب ودهس، مما يؤدي لمقتل امرأة وإصابة آخرين.
فن ومشاهير 5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.