اتصل بالحياة البرية فأنت طبعاً تبحث عن حياة مريحة!
أمّنا الطبيعة. ولطالما وصفت الأم بالعطاء. كذلك، لا تبخل الطبيعة أبداً بعطائها لنا، حتى على المستوى النفسي. وعلى مدى مئات آلاف السنين، عاش الإنسان كجزء من الطبيعة وتفاعل معها، أخذاً وعطاءً.
وفي أزمنة ما بعد الثورة الصناعية والتكنولوجية، تفوقت البيئات الحضرية على البيئات الريفية، إلى درجة بات الناس بحاجة للعودة إلى جذورهم "البيئية" بحثاً عن راحتهم النفسية والجسدية والذهنية، في ظل عالم ضاغط وسريع.
وبشكل عام، يولّد وجودك في الطبيعة آثاراً إيجابية على مزاجك. وأبعد وأعمق من ذلك، فإنّ إحاطة نفسك بالحياة البرية، بجميع مكوّناتها والتجارب التي يمكن أن تعيشها فيها، يغّير إيجابياً منظورك للأمور ، ويزيد من تقديرك للطبيعة وللآخرين، ويخفض مستويات توترك. وقد أظهر علم النفس الإيجابي Positive Psychology أنّ مستوى ارتباطك بالطبيعة، يتصل بشكل مباشر برفاهيتك الآنية أي السعادة والمتعة على المدى القصير، ورفاهيتك الدائمة أي الفرح الدائم والرضا عن الحياة.
هذا ما ينتظرك في الحياة البرية!
وأخيراً، ظهرت دراسة بعنوان( Relatively Wild Urban Parks Can Promote Human Resilience and Flourishing: A Case Study of Discovery Park, Seattle, Washington)، نهض بها فريق بحثي قادته الباحثة البيئية ليز ليف والباحثة المشاركة في "مختبر التفاعل البشري مع الطبيعة والأنظمة التكنولوجية" (Human Interaction with Nature and Technological Systems)، واختصاراً "هينتس" (HINTS) في جامعة واشنطن، وفريقها البحثي. تركزت الدراسة حول تفاعل الإنسان مع الحياة البرية والانغماس في الطبيعة. وتؤكد الباحثة ليف أن التفاعل مع الحياة البرية يساعدنا في التواصل مع الآخرين.
أجرت الباحثة دراستها في منتزه "ديسكوفيري" بمدينة سياتل الأميركية، الذي يتّصف باحتوائه على مروحة ضخمة من التنوع البيولوجي، والمناظر الطبيعية الخلابة، والهدوء والعزلة. وترى ليف أنّ مواجهة الحياة البرية تجسد التفاعل الأكثر مغزى بالنسبة للبشر. ووفق كلماتها، "بالنظر إلى تاريخنا التطوري، كان البشر والطبيعة غير البشرية مترابطين بشكل عميق. لكن، في تاريخنا الحديث نسبياً، بدأنا ندرك أنفسنا كشيء منفصل عن الطبيعة غير البشرية، أو حتى ككائنات تمارس السيادة عليها".
وذكر المشاركون الذين شملتهم الدراسة أنّ تفاعلاتهم مع الطبيعة أدت إلى تفاعلات اجتماعية أكثر إيجابية، وأنّ تواجدهم في الحياة البرية عمّق علاقاتهم مع الأشخاص الذين زاروا الحديقة معهم، كأفراد العائلة مثلاً، بل حتى الغرباء الذين التقوا بهم أثناء زيارتهم. لذا، فإنّ التفاعل البشري مع الطبيعة مهم بشكل متزايد لصحتك الجسدية ورفاهيتك العقلية.
وعلى نحوٍ مماثل، خلُصت دراسة بعنوان (Evaluating how varied human-wildlife interactions affect physical, mental, social, and spiritual health )، إلى أنّ التفاعلات بين الإنسان والحياة البرية ولَّدّتْ تأثيرات إيجابية امتدت على المستويات الأربعة المتوافق عليها لصحة الإنسان، وهي الجسدية والعقلية والاجتماعية والروحية.
وكذلك وجدمقال علمي عنوانه (Human–Animal Interactions: Expressions of Wellbeing through a Nature Language)، أنّ للقاءات الإنسان بالحيوانات في الحياة البرية فوائد إيجابية للصحة النفسية، وكذلك الحال بالنسبة إلى ارتباطه بالطبيعة. وتشير نتائج تضمنها ذلك المقال إلى أنه حينما يواجه الفرد الحيوانات ويتفاعل معها في بيئتها الطبيعية، تتحسن صحته العقلية ورفاهيته العامة، ويعبّر عن مشاعر الحب والانتماء والمشاعر الإيجابية والوفاء.
وبحسب المقال المذكور، قد تؤدي التفاعلات مع الحيوانات أدواراً متعددة في تلبية أربعة احتياجات بشرية سيكولوجية أساسية هي الحب والانتماء والمشاعر الإيجابية واكتساب آفاق جديدة. وكذلك وُثّقت العلاقة بين التفاعلات بين الإنسان والحيوان، ولوحظ أن الحيوانات الأليفة تخفف من التوتر والقلق والشعور بالوحدة.
في مسار متصل، يؤدي التنوّع البيولوجي دوراً كبيراً في الصحة العقلية للبشر، وذلك وفق ما ورد في دراسة عنوانها ( Smartphone-based ecological momentary assessment reveals an incremental association between natural diversity and mental wellbeing).
إذ إنّ قضاء الوقت في أماكن فيها مجموعة متنوعة من السمات الطبيعية كالأشجار والطيور والنباتات والممرات المائية يرتبط بتحسن قوي في صحتك العقلية تفوق ما تحصل عليه من التفاعل مع الأماكن الأقل تنوعاً.
ثقافات مجتمعية تولي الانخراط بالطبيعة لرفاه أبنائها
هل سمعتم عن مفهوم الـ (friluftsliv) الذي يشكل جزءاً من ثقافة وطنية واسعة في النرويج، وعاملاً مهماً جداً لبلوغ حياة مريحة وسعيدة؟ ففي النرويج، الدولة التي احتلت مراتب متقدمة في تقرير الأمم المتحدة عن السعادة العالمية، يعني هذا المفهوم "العيش في الهواء الطلق" أو "حياة الهواء الطلق"، ويصف أسلوب حياة وليس نشاطاً أو تمريناً محدداً. ويستند ذلك المفهوم إلى قضاء أوقات في الطبيعة بوعي بهدف مساعدتك على توضيح أفكارك وتحسين مزاجك والتخلص من التوتر .
ويمكن أن يُطبَّق ذلك المفهوم عبر مشاهدة منظر رائع، أو قطف فاكهة، أو الذهاب في نزهة على قمة تل، أو استنشاق هواء المحيط، أو إزالة الثلوج، أو الحفر في الأرض، أو تحريك الحجارة، والحرية في عدم التفكير. وليس من قبيل المصادفة أن قانون "الترفيه في الهواء الطلق" (Outdoor Recreation Act) في النرويج يسمح بالمشي أو التخييم في أي مكان تقريباً، شرط احترام السكان المحليين والحياة البرية.
بالذهاب إلى اليابان، ترتبط فكرة التجوال بين الأشجار بممارسة يابانية غامرة تحمل مفهوماً يسمى shinrin-yoku الذي يشمل "الاستحمام" في الغابة بمعنى استخدام الحواس للتواصل مع الطبيعة من خلال ملاحظة النباتات والحيوانات والأصوات والروائح والملمس، إضافة إلى توسيع زاوية التفكير من المنظور الضيق الصغير إلى الواسع الكبير.
وقد قُدِّم shinrin-yoku كبرنامج صحي وطني استناداً إلى دراسات علمية أظهرت أن ساعتين من الاستكشاف الواعي في الغابة يمكن أن يخفض ضغط الدم ومستويات الكورتيزول ويحسن التركيز والذاكرة.
الحياة البرية تحسّن مزاجك بهذه الطرق!
بالاستناد إلى المعطيات السابقة، من المستطاع استخلاص بعض النصائح التي قد تفيد في تصحيح تفاعلاتنا مع الطبيعة وتعميق روابطنا معها
- مارس الرياضة في الطبيعة، اركض، اركب الدراجة الهوائية وما إلى ذلك.
- استمتع بالمناظر الخلابة، وأشعة الشمس.
- حافظ على الطبيعة.
- مارس المشي الحر في الطبيعة برفقة مرشد.
- استكشف وزِدْ معرفتك بالنبات أو الحيوان.
- توجّه إلى البحر، لأن مشاهدة الماء تعزز التعافي من الإجهاد والتعب العقلي.
- شارك في نشاطات طبيعية تتضمن التخييم والنوم فيها. ويفيدك ذلك في ضبط إيقاع نومك كي يتماشى مع دورات الضوء الطبيعي. وتتعود على أن تنام مبكراً وتستيقظ مع إحساس عميق بالانتعاش، وتتحسّن وظائف جسمك ودماغك بسبب جودة الأكسجين في هواء الغابة.
- استحم بالطبيعة.
- تأمل بكل شي في البرية لتخفّض مستويات الكورتيزول.
- مارس اليقظة الذهنية بكل محطة في الغابة وكن حاضراً لتصفية ذهنك.
- التقط صوراً عن قرب.
- ازرع الأشجار.
- تفاعل مع الحيوانات الأليفة.
- راقب الطيور.
نبض