حرب العقول: عندما تنتقل المعارك من الجبهات إلى ساحة الفكر والاستخبارات
كتب المهندس حيدر عبد الجبار البطاط، لـ"النهار":
في فجر الثالث عشر من حزيران 2025، عادت إلى الواجهة ملامح الحرب المعاصرة، التي لم تعد تقتصر على الضربات العسكرية المباشرة أو استهداف البنى التحتية. بل باتت تأخذ شكلًا أكثر تعقيداً وهدوءاً: إنها حرب تستهدف مراكز التأثير الفكري والقيادات التي تُشكّل البنية المعرفية والإدارية للمجتمعات.
هذا النوع من الحروب، الذي تُمارسه قوى دولية فاعلة، يعتمد على أدوات استخباراتية ونفسية وإعلامية، لا تهدف فقط إلى تدمير منشآت أو تعطيل منظومات دفاعية، بل إلى تعطيل القدرات الذهنية، وتحييد الأشخاص ذوي التأثير، عبر التصفية الجسدية أو التهميش المعنوي.
في هذا الإطار، لا يستهدف الفاعلون العسكريون أو الأمنيون الخصوم التقليديين فحسب، بل يركّزون على أصحاب المشاريع الفكرية المستقلة والقيادات التي تملك رؤى استراتيجية. في المقابل، تحظى شخصيات أخرى، قد لا تتمتع بالفعالية أو الكفاءة، بالدعم الإعلامي والسياسي، ما يشير إلى توجه واضح لإعادة تشكيل المشهد القيادي في بعض المناطق.
ما حدث أخيراً يعكس استمرار استراتيجية تُعرف بـ"حرب الاستخبارات العميقة"، وهي ترتكز على العمل غير المباشر: من خلف الكواليس، عبر أدوات متنوعة تشمل الاغتيال، الاعتقال، الحملات الإعلامية، الإغراء بالمناصب، أو حتى إشغال الشخصيات المؤثرة في قضايا جانبية بهدف إضعاف حضورهم الفكري أو القيادي.

التاريخ القريب في منطقة الشرق الأوسط يقدّم أمثلة عدّة على هذا النمط من الصراعات، التي لم تكتفِ بالمساحات الجغرافية، بل استهدفت الرموز والأفكار والتوجهات التي تُشكّل وعي المجتمعات. وهي اليوم تتكرر بأشكال أكثر تطوراً وتعقيداً.
هذه الأنماط من المواجهات تفرض تحديات جديدة أمام المجتمعات والمؤسسات، تدعوها إلى إعادة النظر في أولوياتها الدفاعية: فحماية العقول والخبرات والقيادات الفكرية لا تقل أهمية عن حماية المنشآت أو الموارد الطبيعية.
في النهاية، تظل الحرب الحديثة، كما تشير تطوراتها، معركة على الوعي أولاً... حيث يصبح "العقل" هو الهدف الأهم، والرصيد الأثمن في أي صراع طويل الأمد.
نبض