أزمة خصوبة تهدد ثلثي البشرية بانهيار سكاني.. وخبير: فتشوا عن "المالتوسية"

اقتصاد وأعمال 24-02-2025 | 08:17

أزمة خصوبة تهدد ثلثي البشرية بانهيار سكاني.. وخبير: فتشوا عن "المالتوسية"

تتوقع المؤسسة البحثية أنه في غضون جيل أو جيلين سيرتفع عدد كبار السن وسيشكلون ربع الاستهلاك العالمي بحلول عام 2050، وفي المقابل سيتراجع عدد الأشخاص في سن العمل، وستتراجع معدلات النمو الاقتصادي وينخفض نصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي.
أزمة خصوبة تهدد ثلثي البشرية بانهيار سكاني.. وخبير: فتشوا عن "المالتوسية"
الشيخوخة تصيب سكان العالم
Smaller Bigger

تقول الأمم المتحدة إنه في أكثر من نصف بلدان العالم، التي تضم ثلثي البشرية، انخفض معدل الخصوبة، (متوسط عدد المواليد الأحياء الذي قد تنجبه مجموعة افتراضية من النساء في نهاية فترة الإنجاب) بمعدل 90 في المئة خلال الربع قرن الماضي،  الى ما دون معدل الإحلال هو عدد الأطفال اللازمين ليحلوا محل والديهم البالغ 2.1 طفل لكل امرأة، وسط توقعات بانخفاض عدد السكان في بعض الاقتصادات الكبرى بنسبة تراوح بين 20 و50 في المئة بحلول عام 2100، فما هي البلدان الأكثر تعرضاً للانهيار السكاني، وكيف سيحدث ذلك، وما هو تأثيره على الاقتصاد العالمي؟

 

حذرت مؤسسة ماكنزي آند كومباني (McKinsey & Company) الأميركية للاستشارات المالية وأبحاث السوق، في تقرير بعنوان "التبعية والهجرة السكانية في مواجهة عواقب الواقع الديموغرافي الجديد" صدر في 15 كانون الثاني 2025، من التداعيات السلبية لتزايد الرفاهية والرخاء في الاقتصادات المتقدمة؛ والتي بدورها جعلت الأسر في مختلف أنحاء العالم تنجب أطفالاً أقل فأقل، مما أسفر عن إعادة تشكيل السكان في العالم، حيث شهدنا في ربع القرن الأخير تراجعاً في عدد الأطفال في مقابل ارتفاع في أعداد كبار السن، وهذا يؤدي إلى تراجع في حصة الأشخاص في سن العمل (الفئات التي تراوح أعمارهم من 15 إلى 64 عاماً) الى 59 في المئة بحلول عام 2050 في مقابل 67 في المئة حصتهم اليوم. 

 

وتتوقع المؤسسة البحثية أنه في غضون جيل أو جيلين سيرتفع عدد كبار السن وسيشكلون ربع الاستهلاك العالمي بحلول عام 2050، وفي المقابل سيتراجع عدد الأشخاص في سن العمل، وستتراجع معدلات النمو الاقتصادي وينخفض نصيب الفرد من الناتج الإجمالي المحلي، وهذا الأمر ستشهده الاقتصادات الكبرى والصين، باستثناء افريقيا جنوب الصحراء الكبرى حيث ستوفر البلدان النامية حصة متزايدة من العرض العالمي للعمالة والاستهلاك، الأمر الذي يجعل إنتاجيتها وازدهارها أمراً حيوياً للنمو العالمي.

 

وأظهرت الدراسة إمكان تعرّض الاقتصادات المتقدمة والصين، لتباطؤ في نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.4% سنوياً في المتوسط ​​من عام 2023 إلى عام 2050، وما يصل الى 0.8 في المئة في بعض البلدان، ما لم يزد نمو الإنتاجية بمقدار ضعفين إلى أربعة أمثال أو يعمل الناس من ساعة إلى خمس ساعات إضافية في الأسبوع. وقد تحتاج أنظمة التقاعد الى توجيه نحو 50 في المئة من دخل العمالة لتمويل زيادة بمقدار 1.5 مرة في الفجوة بين الاستهلاك الكلي ودخل كبار السن. و"على بلدان الموجة اللاحقة أن تتنبه إلى هذا"، بحسب ماكنزي.

 

ووفقاً للدراسة، يتضح لنا أن الشباب سيرثون نمواً اقتصادياً أقل ويتحملون تكلفة مزيد من المتقاعدين، في حين يتآكل تدفق الثروة التقليدي بين الأجيال. ولا بد من أن تتغير ممارسات العمل الراسخة والعقد الاجتماعي. والأمر الأكثر جوهرية هو أن البلدان ستحتاج إلى رفع معدلات الخصوبة لتجنب انخفاض عدد السكان ــ وهو تحول مجتمعي غير مسبوق في التاريخ الحديث.

 

واليوم، في أكثر من نصف بلدان العالم، التي تضم ثلثي البشرية، انخفض معدل الخصوبة إلى ما دون معدل الإحلال البالغ 2.1 طفل لكل امرأة. وعلى الصعيد العالمي، بلغ متوسط ​​معدل الخصوبة 2.3 طفل لكل امرأة في عام 2023، وهو ما يزيد قليلاً على معدل الإحلال.

 

وضربت الدراسة مثلاً لانخفاض معدلات الخصوبة في مقابل ارتفاع أعداد كبار السن في 90 في المئة من بلدان العالم، بالإشارة إلى ما حدث في ألمانيا خلال المرحلة من عام 1960 الى عام 2021، إذ انخفض عدد المواليد بنحو 26 مليون طفل، وهو رقم يعادل 31 في المئة من سكان ألمانيا في نهاية تلك المدة، مقارنة بما كان ليحدث لو ظلت معدلات الخصوبة ثابتة عند مستوى عام 1960. كذلك زاد عدد كبار السن بنحو 7 ملايين أو نحو 8 في المئة من سكان البلاد في نهاية المدة؛ بسبب زيادة متوسط ​​العمر المتوقع خلال المدة ذاتها. وفي المحصلة، كان عدد سكان البلاد في عام 2021 أقل بنحو 23 في المئة مما كان ليكون عليه لو ظلت معدلات الخصوبة ومتوسط ​​العمر المتوقع ثابتة، وهو ما يعادل نحو 19 مليون شخص أقل.

 

وتُعد اليابان الدولة المتقدمة الوحيدة في الدراسة بحيث كان لمتوسط ​​العمر المتوقع لها التأثير نفسه تقريباً الذي كان على الخصوبة. وكان هذا النمط غير المعتاد راجعاً الى عاملين. أولاً، كان معدل الخصوبة في اليابان مخفوضاً للغاية عام 1960 ليسجل 1.98 مقارنة بـ 2.7 في المملكة المتحدة في ذلك الوقت على سبيل المثال. وكان متوسط ​​العمر المتوقع عند سن الخامسة والستين قد ارتفع في اليابان أكثر من البلدان الأخرى ــ بمقدار تسع سنوات مقارنة بست سنوات في المملكة المتحدة.

 

وفي الاقتصادات الناشئة، انخفضت معدلات الخصوبة بشكل أكثر دراماتيكية من عام 1960 الى عام 2023. على سبيل المثال، كان متوسط ​​إنجاب المرأة 6.1 أطفال في البرازيل في عام 1960، بينما اليوم لديها 1.6 طفل.

 

المناطق المعرضة للانهيار السكاني

تتوقع الدراسة أن تشهد جميع المناطق حول العالم خفضاً في حصة الأشخاص في سن العمل في سكانها، وإن كان ذلك بسرعات مختلفة وفي نقاط  زمنية مختلفة. بحيث قسمت المناطق إلى 3 موجات، مناطق الموجة الأولى هي التي تخضع بالفعل للتغيير في الهيكل السكاني، ومناطق الموجة الثانية هي التي بدأ التحول فيها، أما مناطق الموجة الثالثة فهي التي لم يصلها التحول في الهيكل السكاني بعد، لكنها على الطريق نحو الانهيار السكاني.

 

و بين مناطق الموجة الأولى اقتصادات متقدمة في الغالب مثل آسيا المتقدمة، وأوروبا الوسطى والشرقية، وأميركا الشمالية، وأوروبا الغربية ــ والصين الكبرى، التي يقل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي فيها عن مناطق الموجة الأولى الأخرى ولكنها تشترك معها في خصائصها الديموغرافية. ويبلغ متوسط ​​معدل الخصوبة الإجمالي في هذه المناطق اليوم 1.2 طفل لكل امرأة، و67 في المئة من مجموع سكانها في سن العمل، انخفاضاً من أعلى مستوى بلغ 70 في المئة عام 2010. وفي المجمل، تتقلص هذه الفئة بسرعة في هذه المناطق، بحيث من المتوقع أن تنخفض حصة السكان في سن العمل الى نحو 59 في المئة بحلول عام 2050.

 

وثمة مجموعتان لاحقتان من المناطق. فقد وصلت موجة ثانية للتو إلى شواطئ آسيا الناشئة، والهند، وأميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويبلغ معدل الخصوبة الإجمالي في هذه المناطق 2.2 طفل لكل امرأة، ويبلغ عدد سكانها اليوم في سن العمل 67 في المئة. ولكن هذه الموجة لا تزال تكتسب زخماً، ومن المتوقع أن تبلغ ذروتها في ثلاثينات القرن الحادي والعشرين.

 

في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، يبلغ معدل الخصوبة المتوسط حالياً ​​4.4 أطفال لكل امرأة، ولا يتجاوز عدد السكان في سن العمل 56 في المئة. وسوف تستمر هذه النسبة في النمو، لتبلغ ذروتها عند 66 في المئة بحلول النصف الثاني من القرن، عندما تصل الموجة الثالثة من التحول الديموغرافي إلى ذروتها.

 

خبير: الأزمة تتعلق بهيمنة "المالتوسية"

يقول أكرم ألفي الباحث في علوم البيانات والديموغرافيا، لـ"النهار" إن تراجع النمو السكاني في العالم يأخذ وتيرة أسرع بكثير من توقعات الأمم المتحدة وإسقاطاتها التي أثبتت أن المنظمة الدولية فاشلة جداً في توقعاتها السكانية، بل كانت في كثير من الأحيان مضللة لصالح فكرة أن العالم ينمو سكانياً وأن هناك أزمة سكانية عالمية لأسباب تتعلق بهيمنة الفكرة "المالتوسية" الخاصة بنمو السكان وندرة الموارد على التقارير الدولية، أي كلما زاد عدد السكان انخفضت الموارد. 

 

وأضاف ألفي أن هناك أكثر من 63 دولة بدأت أو على شفا التراجع السكاني أو بتعبير آخر "الانكماش السكاني".. غالب هذه الدول في أوروبا وشرق آسيا، وفي قمة الهرم كوريا الجنوبية واليابان وألمانيا.

 

وبحسب آخر تقارير واسقاطات أوروبية، فإن أوروبا ستفقد نحو 40 في المئة من سكانها بحلول 2100 في حال وقف الهجرة إلى هذه الدول، بل تتوقع تقارير الاتحاد الأوروبي أن ينخفض عدد سكان إيطاليا من 59 مليون نسمة إلى 28 مليون نسمة خلال تلك الفترة.

 

وبحسب التقديرات المستقلة واسقاطات الباحث، فإن العالم بالفعل سيبدأ بالانيهار السكاني أي التراجع الحاد في عدد السكان في 2050 وليس 2100 كما تتوقع الأمم المتحدة؛ بسبب الانخفاض الحاد في معدلات الخصوبة الكلية التي وصلت في 2024 إلى نحو 2.4 طفل لكل سيدة في العالم،  أي اقترب بشدة من معدل الإحلال الطبيعي وهو 2.1 طفل لكل امرأة، فيما انخفضت معدلات الخصوبة الكلية  في الصين وألمانيا إلى 1.35 طفل لكل سيدة، ووصلت إلى أقل معدل في كوريا الجنوبية بنحو 0.7 طفل لكل سيدة.

 

4 عوامل وراء تراجع الخصوبة عالمياً

وأضاف الباحث في علوم البيانات إن انخفاض النمو السكاني العالمي لأقل من 1 في المئة حالياً له أسباب عدة يمكن تلخيصها في "فقدان الأمل"؛ إذ شهد العالم منذ نهاية الستينات موجة إحباط شديدة في القدرة على تغيير العالم أو "الحلم"، ومع انتهاء الصراع بين الرأسمالية والشيوعية أصبحت فكرة النظام الوحيد هو المسيطر مما حال دون القدرة على الحلم أو الأمل في تغيير أي كان نوع هذا التغيير يساراً أو يميناً، علماً أن "الأمل" اجتماعياً محفز رئيسي للإنجاب.

 

العامل الثاني هو نهاية العمل الدائم لصالح العمل الموقت في النظام الاقتصادي العالمي؛ ففقدان العمل الدائم والدخول في دائرة العمل الموقت وعدم الاستقرار الوظيفي يحول دون الاستقرار العائلي وتكوين الأسرة وبالتالي يخفض الإنجاب بشدة.

 

والعامل الثالث هو ارتفاع معدلات التعليم بشكل واضح وخصوصاً تعليم الفتيات في العالم، فقد أصبح نصف الشباب في العالم تقريباً قادر على الانخراط في التعليم الجامعي مع ارتفاع كبير في نسب الفتيات في التعليم الثانوي والجامعي، مما يؤجل فكرة الزواج ويرفع معدلات دخول المرأة في سوق العمل الرسمي، وبالتالي يقود إلى تراجع معدلات الزواج والإنجاب، فالمرأة أكثر تعليماً والتي تعمل في الوقت نفسه لا يمكنها "عالمياً" أن تتحمل مسؤولية إنجاب أكثر من طفلين وبحد أقصى 3 أطفال.

 

والعامل الرابع بحسب ألفي هو "العولمة التكنولوجية" وارتفاع سقف الطموح لدى الشابات والشباب، وقد أشار تقرير بريطاني قبل شهرين إلى أن متطلبات الشباب في العلاقات أصبحت أعلى بكثير من أي وقت مضى، وأن الشباب "الذكور" أصبحوا يخشون الدخول في علاقات مستقرة بسبب حجم التطلعات لدى الفتيات في أوروبا. 

 

وبناء على ما سبق، نتوصل إلى أن فكرة الإنجاب وتكوين الأسرة تحولت إلى فكرة ثانوية لدى شباب العالم وليس مجتمع بعينه بسبب البحث عن التحقق والصعود المالي والوظيفي. 

 

وفي معرض تعليقه، قال إن تأثير تراجع النمو السكاني الراهن يختلف من مجتمعات لأخرى، ففي مجتمعات مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية واليابان والصين وإيطاليا فإن انخفاض النمو السكاني يؤثر سلباً على الاقتصاد ويقلل من القوة الشرائية مع ارتفاع نسبة كبار السن، مما يزيد الأعباء على ميزانية الدولة من حيث حجم المعاشات والرعاية الصحية المطلوبة لهذه الكتلة الضخمة.. فإن الانكماش يهدد الاقتصاديات الكبرى في أوروبا وآسيا بسبب التراجع السكاني.

 

مصر تحصد "السنوات الذهبية" للسكان

وتابع أنه في المقابل، فإن مجتمعات مثل مصر وصلت مؤخراً الى مرحلة "الهبة الديموغرافية" فإن تراجع النمو السكاني يمثل لها فرصة كبيرة للانتعاش الاقتصادي وحصاد ما يعرف بـ"السنوات الذهبية" للسكان، بحيث تدخل سكانياً بقوة في ما يعرف في نظريات الديموغرافيا الاقتصادية بمرحلة "السنوات الذهبية"، وهي السنوات التي تعرف أيضاً بـ"النافذة الديموغرافية"، والتي  ترتفع فيها نسبة الشباب في سن العمل في مقابل انخفاض حاد في نسبة الأطفال في المجتمع وارتفاع بسيط في نسبة كبار السن، وهو ما يعرف اقتصاديا بتراجع معدل الإعالة (أي انخفاض عدد الأفراد الذي يصرف عليهم كل شخص يعمل وله دخل).

 

وأضاف أن مصر تشهد حالياً نهضة استثنائية تتجاوز المعدلات العالمية في معدلات تزايد الانخراط في التعليم الجامعي بنسبة وصلت 3.7 في المئة من السكان في 2024.

 

وأكمل أنه بالتوازي، فإن الانخفاض في النمو السكاني العالمي سيقود إلى مزيد من طلب الهجرة والطلب على العمالة في أوروبا وأميركا واوستراليا، مما سيقود الى انتعاش اقتصادي في بلدان ذات النمو السكاني المرتفع خصوصاً في أفريقيا، وسيدفع نحو انخفاض الفجوة في الثروة بين العالم المتقدم والعالم النامي.

الأكثر قراءة

العالم العربي 12/3/2025 12:22:00 PM
لا بد من تفكيك شبكات التمكين الإسلامية داخل الجيش السوداني، وعزل قادته الموالين للإخوان... فهذا شرط أساسي لأي دعم دولي لعملية السلام.
المشرق-العربي 12/3/2025 12:18:00 PM
ياكواف كاتس، وهو أحد مؤسسي منتدى السياسة MEAD، والباحث البارز في JPPI، ورئيس تحرير السابق لصحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية، يجيب عن هذه الأسئلة في مقال له، ويشير إلى الفوارق بين الماضي والحاضر.
المشرق-العربي 12/3/2025 2:17:00 AM
يطالب القرار إسرائيل بالانسحاب الكامل من الجولان
سياسة 12/4/2025 10:43:00 AM
أمرت الحكومة العراقية بتجميد جميع أموالهم وأصولهم...