بعد الدراما والـK-Pop... هل حان زمن الأدب الكوري؟
إذا كانت الموجة الكورية الأولى قد علّمت العالم كيف يشاهد كوريا، فإنّ المرحلة المقبلة قد تدعوه إلى قراءتها.
على مدى عقدين، ارتبط الحضور الثقافي العالمي لكوريا الجنوبية بالسينما والدراما والـK-Pop. وقد نجحت البلاد في بناء واحدة من أكثر الصناعات الثقافية تأثيراً في العالم. لكن عام 2026 قد يشهد فصلاً جديداً من "الموجة الكورية" (الهاليو)، وهذه المرة عبر وسيلة أقل صخباً: الرواية.
تشير المؤشرات الحديثة إلى عودة القراءة في كوريا الجنوبية، ولا سيما في مجال الرواية. فبحسب صحيفة "ذا كوريا هيرالد"، ارتفعت مبيعات الروايات بنحو 20 في المئة خلال الأشهر الأولى من عام 2026، مسجلة عاماً ثانياً على التوالي من النمو المضاعف. كما تحولت الرواية إلى أحد أكثر القطاعات نشاطاً في سوق النشر الكوري.
لماذا يعود الكوريون إلى الكتب؟
على الرغم من أنّ كوريا الجنوبية تُعدّ من أكثر دول العالم اندماجاً في الفضاء الرقمي، فإن كثيراً من الشباب باتوا ينظرون إلى الأدب بوصفه مساحة للتأمل والهدوء وسط التدفق المتواصل للمعلومات والاتصال الدائم. وانتقلت ثقافة القراءة إلى المنصات الرقمية، حيث تنتشر توصيات الكتب عبر الفيديوهات القصيرة وتحديات القراءة.

تعكس الأعمال الأكثر رواجاً في عام 2026 الكثير من ملامح المجتمع الكوري المعاصر. فإلى جانب استمرار حضور الرواية الأدبية، يتجه القراء نحو الأعمال النفسية المركبة، والخيال التأملي، والسرديات النسوية، والروايات التاريخية، والنصوص التي تتناول أسئلة الهوية الفردية. وتدور معظم هذه الأعمال حول قضايا تشغل الأجيال الشابة اليوم، مثل القلق الاقتصادي، والشعور بالوحدة، وضغوط المنافسة الاجتماعية، والبحث عن معنى للحياة داخل مدن فائقة الحداثة.
هان كانغ ونقطة التحول
يصعب الحديث عن هذه اللحظة الأدبية من دون التوقف عند هان كانغ، التي شكّل حصولها على جائزة نوبل للآداب عام 2024 محطة مفصلية في تاريخ الأدب الكوري الحديث. وقد أشادت الأكاديمية السويدية بأعمالها لما تنطوي عليه من مواجهة للصدمات التاريخية وكشف لهشاشة الوجود الإنساني.
وسرعان ما انعكس هذا التقدير العالمي على سوق النشر. فبعد إعلان الجائزة، ارتفعت مبيعات الأدب الكوري المترجم بصورة لافتة، وأظهرت بيانات عام 2025 نمواً كبيراً في الطلب الدولي على الكتب الكورية، فيما سجلت أعمال هان كانغ زيادة بلغت خمسة أضعاف في مبيعات النسخ الأجنبية.

تؤكّد أعمال كانغ قدرة الأدب الكوري على الوصول إلى قارئ عالمي من دون التخلي عن خصوصيته الثقافية. فهي تتناول العنف والذاكرة والحزن والمسؤولية الأخلاقية انطلاقاً من تجارب كورية محددة، لكنها في الوقت نفسه تلامس أسئلة إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية.
وبهذا المعنى، أدّت كانغ للأدب الكوري دوراً قريباً مما أدّاه فيلم "باراسايت" للسينما الكورية، حين أثبت أن القصص المتجذرة في واقع محلي قادرة على التعبير عن قضايا إنسانية عالمية.
سرّ الجاذبية العالمية للرواية الكورية
وُلد الأدب الكوري الحديث من تاريخ مليء بالاستعمار والحرب والأنظمة السلطوية والتحول الديموقراطي والنمو الاقتصادي السريع. وقليل من المجتمعات عرفت هذا الحجم من التحولات خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً.

لهذا السبب، يواصل الكتّاب الكوريون استكشاف الأبعاد النفسية لهذه التحولات، من خلال أعمال تتناول ضغوط التعليم، وتفكك الروابط العائلية، والعزلة في المدن الكبرى، وتسارع التكنولوجيا، واتساع الفجوات الاجتماعية، وهي موضوعات لا تخص كوريا الجنوبية وحدها. فالقارئ الأوروبي يجد فيها انعكاساً لمخاوف مرتبطة بالتفكك الاجتماعي، والقارئ في أميركا الشمالية يلمس فيها نقاشات مألوفة حول الهوية والطبقة، بينما يرى كثير من القراء الآسيويين فيها صورة عن وعود الحداثة وما تفرضه من أثمان.
موجة عابرة أم تحول طويل الأمد؟
عند النظر إلى ما يحدث اليوم، يمكن استحضار تجارب أدبية سابقة. الأدب الياباني، مثلاً، رسّخ حضوره العالمي عبر أسماء مثل هاروكي موراكامي، بينما صنعت "طفرة" الأدب اللاتيني كتّاباً عالميين مثل غابرييل غارسيا ماركيز. كما تحولت الرواية البوليسية الإسكندنافية (النوردك نوار) إلى علامة ثقافية معروفة دولياً.
صحيح أنّ الأدب الكوري لم يبلغ بعد مستوى هذا الرسوخ المؤسسي، إلا أنّه يمتلك عناصر مهمة تساعده على ذلك: منظومة ترجمة فعالة، وبيئة ثقافية تحظى باعتراف عالمي، وجيلاً من الكتّاب ينشغل بقضايا تتجاوز الإطار الوطني الضيق.
وإذا كانت الموجة الكورية الأولى قد علّمت العالم كيف يشاهد كوريا، فإنّ المرحلة المقبلة قد تدعوه إلى قراءتها. وإذا تحقق ذلك، فستصبح الرواية الكورية إحدى الوسائل الأساسية التي يقرأ العالم من خلالها تناقضات القرن الحادي والعشرين وطموحاته وقلقه الوجودي. وعندها سيغدو صعودها ظاهرة ثقافية عالمية بكل معنى الكلمة.
نبض