البساطة اليابانية المعقّدة تجد من يكرّمها في لوكارنو

ثقافة 17-08-2025 | 23:27

البساطة اليابانية المعقّدة تجد من يكرّمها في لوكارنو

فيلم "تابي تو هيبي" للياباني شو مياكي يفوز بـ"النمر الذهب" في مهرجان لوكارنو السينمائي.
البساطة اليابانية المعقّدة تجد من يكرّمها في لوكارنو
“تابي تو هيبي“ الفائز بالجائزة الكبرى في لوكارنو.
Smaller Bigger

من بين كلّ الأعمال التي التهمناها بنهم داخل الصالات (التي كانت حارّة أحياناً)، في مهرجان لوكارنو السينمائي (6 – 16 آب/أغسطس)، استوقفت لجنة التحكيم، برئاسة المخرج الكمبودي الفرنسي ريثي بان، "تابي تو هيبي" ("موسمان، غريبان") للياباني شو مياكي، 41 عاماً، فأسندت اليه "النمر الذهب"، أعلى جائزة في الحدث السويسري الكبير، مصحوبة بجائزة مالية تتجاوز الـ80 ألف يورو. الفيلم لا يخضع لمنطق السرد التقليدي ولا ينصاع لقواعده الراسخة. فلا فصول واضحة، ولا ذروة، ولا تصعيد درامي كما تُعلَّم في معاهد السينما. ينسج الفيلم إيقاعه الخاص، أقرب إلى مزاج ينغمس فيه المتفرج على مدى ساعة ونصف الساعة، ليخرج مختلفاً عمّا دخل. "حكاية" تُروى بخيوط من البساطة والهدوء، كما لو أن شخصاً استيقظ من حلم وراح يسجّله قبل أن يتبخّر.

إنه مبدأ "الميز آن أبيم"، ذاك الانعكاس المتكرر المحبّب في السينما والأدب، يُعاد تقديمه هنا بروحٍ يابانية. الشخصية الرئيسية، وهي كاتبة سيناريو، تتحوّل إلى انعكاس يرى فيها المُشاهد ذاته، فيما يتابع شذرات قصّة تتشكّل وتذوب في آنٍ واحد. لا حبكة، لا نهايات كبرى، فقط لحظات تمضي في مسارها المعتاد نحو خاتمة هادئة. لا عجب أن مياكي، الذي بدأ رحلته السينمائية في الخامسة عشرة بفيلم لا تتجاوز مدّته ثلاث دقائق، يرى في النص السينمائي تعويضاً عن استحالة تكرار الحياة. "لو كان كلّ شيء قابلاً للإعادة، لما وُجِدَت السينما"، يقول في حوار معه. هذا الإيمان العميق بعدم تكرار ما مضى، يمنح الفيلم صوته الخاص.

يستند الفيلم إلى حكايتين مانغا كتبَهما يوشيهارو تسوغه في الستينات، وينقسم فصلين لا تربطهما علاقة سردية مباشرة: في الأول، نتابع لي (الكورية الجنوبية شيم أون كيونغ) وهي تهمّ بكتابة سيناريو يتسلّل تدريجاً إلى الشاشة، فيتحوّل إلى شخصيات تتجوّل على شاطئ خلال الصيف، تلتقي وتفترق بلا دافع واضح، وكأنها خرجت من أحد أفلام إريك رومير. لكن مياكي يتجنّب الوقوع في فخ التقليد أو الاستسهال، فلا يتحوّل إلى نسخة باهتة من رومير كما تفعل أحياناً بعض أعمال المخرج الكوري هونغ سانغ سو. أما في الفصل الثاني، فتصبح لي نفسها "بطلة" الحكاية، وتحملنا وسط الثلوج إلى لقاء مع رجل يمنحها مأوى. هذا هو الفيلم في خطوطه العريضة. أما ما تبقّى، فمشاعر، وكادرات مشغولة بعناية، تسلب الأنفاس ببساطتها، ونعلم كم ان بلوغ هذه البساطة معقّد… لا شيء "يحدث" فعلياً بمعنى الحكاية التقليدية، لكن ما يحدث على المستوى الحسّي لا يتركنا غير مبالين. كأن الفيلم قبلة وُجِّهت إلى من يعشقون هذا النوع من السينما الهادئة، الرقيقة، العذبة. وأنا من بينهم. لا عنف، لا حاجة لإصرار على تفسير كلّ شاردة وواردة، لا محاولات لفرض مصير واحد على كلّ ما يعبر الشاشة. لا سرديات مكتملة ولا شروح تفسد الغموض. هناك جملة تنسجم كلياً مع جوهر السينما التي يقترحها شو: تقول لي في أحد المشاهد إنها أضاعت الكاميرا، فيجيبها الرجل الذي يرافقها في رحلتها الثلجية: "ينبغي لكِ انتظار حلول الربيع للعثور عليها". من فكرة بسيطة كهذه، يصنع المخرج مساحة لحضور المتفرج، مراهناً على خياله بدلاً من أن يقدّم له كلّ شيء على طبق. يحاول الفيلم أن يقول شيئاً عن العلاقة بين العيش وتجربة الكتابة، وكيف لا يُمكن أحدهما أن ينوجد من دون الآخر. 

 

ملصق مهرجان لوكارنو السينمائي.
ملصق مهرجان لوكارنو السينمائي.

 

في هذا الفيلم، حفيف ورق الشجر أهم من أي شيء آخر. انها من تلك اللحظات التي تعيدنا إلى أصول السينما. اللقطات الثابتة ترفعها إلى ذروتها التعبيرية. يقول شو: "كي نتأمل جريان النهر وننبهر بتغيّراته الساحرة، أعتقد أن على المرء أن يقف ساكناً على الضفّة من دون أن يتحرك. الكاميرا الثابتة قادرة على التقاط حتى أدقّ التفاصيل، مثل ابتسامة خفيفة على وجه الممثّل أو تمايُل الأشجار بلطف. من خلال الأفلام الكلاسيكية، وخصوصاً الصامتة منها، تعلّمتُ أن هذا الإحساس بالدهشة هو المتعة الحقيقية في مشاهدة السينما".

الجوائز الأخرى في قسم "المسابقة الدولية" جاءت على النحو الآتي: "لجنة التحكيم الخاصة" ذهبت إلى الفيلم النمسوي الألماني "الحلزون الأبيض"، حيث يلتقي جسدان من ثقافتين مختلفتين على أرض غريبة، لينشأ بينهما حوار صامت عن الحياة والموت والجمال. ماريا إمبرو وميخائيل سينكوف تقاسما جائزة التمثيل عن أدائهما اللافت في هذا العمل، الذي اعتبره بعض النقّاد تجربة سينمائية مكتملة. من لبنان، جاء العراقي عباس فاضل بفيلم وثائقي "حكايات الأرض الجريحة" (جائزة الإخراج). بكاميرا هاتف وأدوات تصوير بسيطة، صوّر يوميات جنوبيين تحت القصف الإسرائيلي، ثم فوق الأنقاض، ثم وسط وعود متكررة بإعادة البناء. أما في "ورقة يابسة"، فاختار المخرج الجورجي ألكسندر كوبيريدز أن يحكي عن غائبة. ليزا، مصوّرة فوتوغرافية، تختفي أثناء عملها على مشروع لتوثيق ملاعب كرة القدم الريفية. الفيلم حظي فقط بتنويه خاص، لكنه بالنسبة الى كثيرين، يُعدّ من أنضج التجارب السينمائية لهذا العام.

 

الأكثر قراءة

لبنان 6/7/2026 8:05:00 PM
الجيش الإسرائيلي يزعم: "تضم الشبكة عدة أنفاق شيدت لاستيعاب مئات المسلحين في الوقت ذاته، وتحتوي على غرف مكوث معدّة للإقامة والقتال لفترات طويلة"...
لبنان 6/6/2026 11:21:00 PM

أهالي بلدة مغدوشة تلقوا اتصالات من الجيش الإسرائيلي تضمنت تحذيراً من وجود عناصر لـ"حزب الله" بين النازحين

حول العالم 6/6/2026 10:49:00 PM
عامل كندي أصبح مليونيراً بين لحظة وأخرى بعدما تلقى اتصالاً أثناء عمله أبلغه بفوزه بجائزة يانصيب تتجاوز 2.4 مليون دولار كندي
فن ومشاهير 6/4/2026 10:40:00 AM
بالتزامن مع عرض الحلقة الأخيرة، شارك أبطال مسلسل "ليل" الجمهور لحظات الوداع وكواليس الأشهر التسعة التي أمضوها في التصوير.