الشاعر محمود درويش.
فاروق غانم خداج
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
سبعة عشر عاماً مرّت على رحيل محمود درويش، ومع ذلك، حضوره في المشهد الثقافي العربي والفلسطيني لم يخفت، بل يبدو كأن الغياب لم يكن إلا امتداداً، لرحلة حضور أخرى. منذ أن ودّعناه في صيف 2008، ظلّت كلماته تنبض بين الناس كأنها مكتوبة اليوم. فقصيدته ليست أرشيفاً يعلوه الغبار، بل كائن حي يتحرك بيننا، يراقب واقعنا، ويستفز وعينا، ويذكّرنا بما كان يقوله في كل محفل: "إن الهوية ليست بطاقة تعريف، بل فعل يومي من المقاومة".
درويش، الذي حمل القلم كسلاح، لم يكن شاعراً يكتب من برج عاجي، بل كان ابن الأرض الفلسطينية، يعرف تفاصيلها ومآسيها كما يعرف تفاصيل لغته. من قصيدته المبكرة "سجّل! أنا عربي" إلى عبارته التي صارت أيقونة: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، ظلّ مخلصاً لفكرة أن الشعر يمكن أن يخلق وعياً، وأن الكلمة إذا اشتعلت في الوجدان، تسبق السيف في المعركة.
اليوم، ونحن نشهد مشهد الدم في غزة، ونسمع أخبار الدمار والمجازر، ندرك كم نحن بحاجة إلى صوته. كان يكتب عن الحصار قبل أن يتحوّل إلى شريط أخبار متكرر، وعن الشهداء قبل أن تصير صورهم أرقاماً في بيانات. كان يعرف أن القصيدة لا توقف دبابة، لكنها قد توقف لحظة صمت داخلنا، وتوقظ ما كدنا ننساه: أننا شعب حي ولسنا مجرد ضحايا على شاشة العالم.
ما يميّز إرثه هو القدرة على الجمع بين الحلم والواقع، بين الحب والحرية، بين الغنائية والصرامة الفكرية. لم يقع في فخ الخطاب الشعاري، ولم يذُب في التجريد. كتب للوطن وهو يعرف أن الوطن لا يكتمل إلا بالإنسان، وأن الثورة بلا حب تتحوّل إلى صلابة جافة. في حواراته، أكّد أن الشعر ليس أداة أيديولوجية، بل مساحة لالتقاء الفردي بالجماعي، ولتحويل الألم إلى وعي.
في قصائده، ليست فلسطين مجرد خريطة، بل بيت، شجرة زيتون، رائحة قهوة في الصباح، وأمّ تفتح نافذة تطل على بحر حيفا أو على جدار فصل. كان يعرف أن التفاصيل الصغيرة قادرة على فضح القمع ببلاغة لا تحتاج إلى بيانات سياسية. هذه الفلسفة جعلت شعره يعبر الحدود، فيصبح صوته مسموعًا في كل مكان تُنتهك فيه الحرية.
اليوم، حين ننظر إلى واقع الشارع الفلسطيني، نرى الغضب الشعبي والحداد المستمر، لكننا نرى أيضًا فراغاً ثقافياً؛ فراغاً تركه رحيل المثقفين الكبار الذين كانوا يوازنون بين الصوت السياسي والصوت الإبداعي. كان يعرف أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل أيضاً في اللغة، في المعنى، في الرواية التي نرويها عن أنفسنا. في زمن الإعلام السريع، نحن بحاجة إلى من يكتب نصاً طويل النفس، متين البنية، يشرح للعالم أن المأساة ليست حدثاً عابراً، بل سياق ممتد من النفي والتهجير والقتل الممنهج.
لكنّ درويش لم يكن شاعر مأساة فقط. وسط الظلام، كان يبحث عن الضوء، يكتب عن الحب كجزء من معادلة الحرية، وعن الجمال كجزء من معادلة البقاء. لم يرَ تناقضاً بين قصيدة حب وقصيدة وطن، بل شراكة في صناعة إنسان قادر على الحلم والمقاومة معاً. قال في إحدى مقابلاته إنه يريد نصاً "لا يفسره إلا الجمال"، حتى لو كان عن الحرب. هذه الرؤية جعلت شعره يحتفظ براهنيته حتى بعد سبعة عشر عاماً من الغياب.
أمام ما يجري في غزة، لا يسعنا إلا أن نتخيل ماذا كان سيكتب. ربما كان سيعيد صياغة مشهد الحصار ليصير استعارة عن العالم، أو ربما كان سيكتب عن الطفل الذي يبحث عن لعبته بين الركام، فيضعه في قلب القصيدة بدلاً من البنادق. لكن المؤكد أن كلماته كانت ستخترق جدار اللامبالاة، وتذكّرنا بأن الكلمة الصادقة تقاتل.
ليس الهدف أن نقدّس درويش أو أن نحصره في صورة الشاعر الوطني، بل أن نتعلّم من طريقته في مقاومة النسيان. لقد فهم أن الثقافة جزء من معركة التحرر، وأنها ليست ترفًا، بل ضرورة للبقاء. وها نحن، بعد سبعة عشر عاماً، نكتشف أن الفراغ الذي تركه ليس فقط في الشعر، بل في الضمير الجمعي، وفي وعينا بأن الحرية تبدأ من اللغة.
في زمن تتنازع فيه الروايات وتُشوّه الحقائق، تظلّ كتابات درويش خط دفاع أول عن المعنى. قصائده تذكّرنا أن الرواية الفلسطينية ليست حكاية ماضٍ، بل حكاية حاضر ومستقبل، وأن الدفاع عنها يحتاج إلى جبهة أدبية وثقافية موازية للجبهة السياسية والعسكرية. وإذا كانت البندقية تدافع عن الجسد، فإن القصيدة تدافع عن الروح وعن الحق في أن نكون نحن، بلا تشويه ولا اختزال.
سبعة عشر عاماً بلا درويش… لكنها لم تكن بلا كلمته. الكلمة ما زالت تمشي بيننا، تُلهم وتستفز وتقاتل. وكأنها تُعلن أن السلاح يمكن أن يسكت لحظة، لكن الكلمة الصادقة لا تسكت أبداً.
كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني
سبعة عشر عاماً مرّت على رحيل محمود درويش، ومع ذلك، حضوره في المشهد الثقافي العربي والفلسطيني لم يخفت، بل يبدو كأن الغياب لم يكن إلا امتداداً، لرحلة حضور أخرى. منذ أن ودّعناه في صيف 2008، ظلّت كلماته تنبض بين الناس كأنها مكتوبة اليوم. فقصيدته ليست أرشيفاً يعلوه الغبار، بل كائن حي يتحرك بيننا، يراقب واقعنا، ويستفز وعينا، ويذكّرنا بما كان يقوله في كل محفل: "إن الهوية ليست بطاقة تعريف، بل فعل يومي من المقاومة".
درويش، الذي حمل القلم كسلاح، لم يكن شاعراً يكتب من برج عاجي، بل كان ابن الأرض الفلسطينية، يعرف تفاصيلها ومآسيها كما يعرف تفاصيل لغته. من قصيدته المبكرة "سجّل! أنا عربي" إلى عبارته التي صارت أيقونة: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، ظلّ مخلصاً لفكرة أن الشعر يمكن أن يخلق وعياً، وأن الكلمة إذا اشتعلت في الوجدان، تسبق السيف في المعركة.
اليوم، ونحن نشهد مشهد الدم في غزة، ونسمع أخبار الدمار والمجازر، ندرك كم نحن بحاجة إلى صوته. كان يكتب عن الحصار قبل أن يتحوّل إلى شريط أخبار متكرر، وعن الشهداء قبل أن تصير صورهم أرقاماً في بيانات. كان يعرف أن القصيدة لا توقف دبابة، لكنها قد توقف لحظة صمت داخلنا، وتوقظ ما كدنا ننساه: أننا شعب حي ولسنا مجرد ضحايا على شاشة العالم.
ما يميّز إرثه هو القدرة على الجمع بين الحلم والواقع، بين الحب والحرية، بين الغنائية والصرامة الفكرية. لم يقع في فخ الخطاب الشعاري، ولم يذُب في التجريد. كتب للوطن وهو يعرف أن الوطن لا يكتمل إلا بالإنسان، وأن الثورة بلا حب تتحوّل إلى صلابة جافة. في حواراته، أكّد أن الشعر ليس أداة أيديولوجية، بل مساحة لالتقاء الفردي بالجماعي، ولتحويل الألم إلى وعي.
في قصائده، ليست فلسطين مجرد خريطة، بل بيت، شجرة زيتون، رائحة قهوة في الصباح، وأمّ تفتح نافذة تطل على بحر حيفا أو على جدار فصل. كان يعرف أن التفاصيل الصغيرة قادرة على فضح القمع ببلاغة لا تحتاج إلى بيانات سياسية. هذه الفلسفة جعلت شعره يعبر الحدود، فيصبح صوته مسموعًا في كل مكان تُنتهك فيه الحرية.
اليوم، حين ننظر إلى واقع الشارع الفلسطيني، نرى الغضب الشعبي والحداد المستمر، لكننا نرى أيضًا فراغاً ثقافياً؛ فراغاً تركه رحيل المثقفين الكبار الذين كانوا يوازنون بين الصوت السياسي والصوت الإبداعي. كان يعرف أن المعركة ليست فقط على الأرض، بل أيضاً في اللغة، في المعنى، في الرواية التي نرويها عن أنفسنا. في زمن الإعلام السريع، نحن بحاجة إلى من يكتب نصاً طويل النفس، متين البنية، يشرح للعالم أن المأساة ليست حدثاً عابراً، بل سياق ممتد من النفي والتهجير والقتل الممنهج.
لكنّ درويش لم يكن شاعر مأساة فقط. وسط الظلام، كان يبحث عن الضوء، يكتب عن الحب كجزء من معادلة الحرية، وعن الجمال كجزء من معادلة البقاء. لم يرَ تناقضاً بين قصيدة حب وقصيدة وطن، بل شراكة في صناعة إنسان قادر على الحلم والمقاومة معاً. قال في إحدى مقابلاته إنه يريد نصاً "لا يفسره إلا الجمال"، حتى لو كان عن الحرب. هذه الرؤية جعلت شعره يحتفظ براهنيته حتى بعد سبعة عشر عاماً من الغياب.
أمام ما يجري في غزة، لا يسعنا إلا أن نتخيل ماذا كان سيكتب. ربما كان سيعيد صياغة مشهد الحصار ليصير استعارة عن العالم، أو ربما كان سيكتب عن الطفل الذي يبحث عن لعبته بين الركام، فيضعه في قلب القصيدة بدلاً من البنادق. لكن المؤكد أن كلماته كانت ستخترق جدار اللامبالاة، وتذكّرنا بأن الكلمة الصادقة تقاتل.
ليس الهدف أن نقدّس درويش أو أن نحصره في صورة الشاعر الوطني، بل أن نتعلّم من طريقته في مقاومة النسيان. لقد فهم أن الثقافة جزء من معركة التحرر، وأنها ليست ترفًا، بل ضرورة للبقاء. وها نحن، بعد سبعة عشر عاماً، نكتشف أن الفراغ الذي تركه ليس فقط في الشعر، بل في الضمير الجمعي، وفي وعينا بأن الحرية تبدأ من اللغة.
في زمن تتنازع فيه الروايات وتُشوّه الحقائق، تظلّ كتابات درويش خط دفاع أول عن المعنى. قصائده تذكّرنا أن الرواية الفلسطينية ليست حكاية ماضٍ، بل حكاية حاضر ومستقبل، وأن الدفاع عنها يحتاج إلى جبهة أدبية وثقافية موازية للجبهة السياسية والعسكرية. وإذا كانت البندقية تدافع عن الجسد، فإن القصيدة تدافع عن الروح وعن الحق في أن نكون نحن، بلا تشويه ولا اختزال.
سبعة عشر عاماً بلا درويش… لكنها لم تكن بلا كلمته. الكلمة ما زالت تمشي بيننا، تُلهم وتستفز وتقاتل. وكأنها تُعلن أن السلاح يمكن أن يسكت لحظة، لكن الكلمة الصادقة لا تسكت أبداً.
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
2/17/2026 7:18:00 AM
إليكم الجدول الجديد لأسعار المحروقات اليوم بعد مقررات الحكومة أمس الإثنين.
لبنان
2/18/2026 9:57:00 AM
هزة أرضية بقوة 2.5 درجات على مقياس ريختر، حدد موقعها في منطقة قرنايل.
لبنان
2/18/2026 11:09:00 AM
"القمة سوريّة، والحدود اللبنانية تصل إلى ما يقارب الـ2500 متر، أي 500 متر دون القمة"
لبنان
2/18/2026 12:47:00 PM
كيف سيكون الطقس في اليومين المقبلين؟
نبض