أحوال العرب عبر سيرة عبد الخالق باشا حسّونة

أحوال العرب عبر سيرة عبد الخالق باشا حسّونة
عبد الخالق باشا حسونة
Smaller Bigger

"ما أشبه الليلة بالبارحة". ينطبق هذا القول المأثور على حال العرب اليوم، اختلافاً واتفاقاً فيما بينهم سياسياً، بما كانوا عليه في الأمس، وتحديداً منذ تأسيس الجامعة العربية وما تلاه، بل بات أسوأ بكثير. 
سوريا على سبيل المثل التي واكب استقلالها إنشاء جامعة الدول العربية، ما لبث أن جمعتها بمصر وحدة تحت اسم "الجمهورية العربية المتحدة"، ولكن سرعان ما انهارت، ما سهّل انقضاض إسرائيل على الجولان وشبه جزيرة سيناء واحتلالهما. واليوم، في ظلّ التغييرات الكبرى في سوريا عقب سقوط حكم بشار الأسد، والتخوّف من التدخلات الخارجية المدمرة، تأتي أهمية كتاب "اتفاقات وخلافات العرب كما عايشها عبد الخالق حسّونة" الصادر حديثاً عن دار "الشروق" في القاهرة، والذي يروي سيرة أبرز من تولّوا منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، بقلم ابنه السفير حسين عبد الخالق حسّونة، تحرير وتوثيق الكاتب الصحافي خالد أبو بكر. 
ولا تقتصر أهميته على تلك السيرة الغيرية لعبد الخالق حسّونة باشا (1898 – 1992)، بل في تضمنه وثائق تنشر للمرة الأولى في شأن اتفاقات العرب وخلافاتهم في حقبة زمنية ملتهبة سياسيًا وعسكريًا، وتحديدًا خلال تولي حسّونة منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية من 1952 إلى 1972.            
جزء من متن الكتاب جمعه حسين عبد الخالق حسّونة من مجمل حواراته مع والده التي دوَّنها في أوائل ثمانينات القرن الماضي ومن أرشيف وزارة الخارجية ومضابط اجتماعات الجامعة العربية العلنية والسرية والكتب والمقالات العربية والأجنبية التي تناولت تلك الفترة التاريخية، بجهد بحثي كبير شارك فيه بفاعلية واضحة خالد أبو بكر الذي سبق له أن حرر ووثق مذكرات دبلوماسي مصري بارز آخر هو عمرو موسى، والتي نشرنها دار "الشروق" في جزأين. 

 

رقم قياسيّ
التحق حسّونة الأب بوزارة الخارجية المصرية عند إنشائها (1922) وتولى منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية لفترة عشرين عامًا، وهو بذلك صاحب رقم قياسي في مدة شغل هذا المنصب. 
في العام 1948 عُيِّن وكيلًا لوزارة الخارجية المصرية، فتابع من موقعه تطورات القضية الفلسطينية في الأمم المتحدة ومفاوضات الهدنة التي وقعت بين مصر وإسرائيل في شباط (فبراير) 1949. 
يعتبر حسّونة الأمين العام الثاني لجامعة الدول العربية بعد عبد الرحمن عزام. قدم للكتاب الأمين العام الحالي للجامعة العربية السفير أحمد أبو الغيط وما كتبه في هذا الصدد: "عبد الخالق حسّونة ليس مجرد دبلوماسي عادي، أو مسؤول تبوأ أعلى المناصب وأرفعها، فقد انهمك بهمة لا تفتر في الدفاع عن القضايا العربية في مختلف المحافل وبشتى الوسائل الدبلوماسية والسياسية، بداية من قضية فلسطين، وليس انتهاء بدعم استقلال دول المغرب العربي ثم إمارات الخليج. ويضيف أبو الغيط أن دور عبد الخالق حسّونة كأمين عام للجامعة العربية، يظل علامة مهمة في التاريخ العربي الحديث؛ إذ أسبغ على هذه المنظمة الإقليمية – التي نجح العرب في إنشائها قبل إنشاء الأمم المتحدة نفسها – مسحة من المؤسسية والعمل الهيكلي المنظم" ص 11.
خلال السنوات الأولى التي قضاها أميناً عاماً للجامعة العربية بذل عبد الخالق حسّونة جهوداً فعّالة ومتواصلة من أجل مؤازرة قضايا دول المغرب العربي وإمارات الخليج إلى أن تحررت من قيود الاستعمار ونالت حريتها واستقلالها وانضمت إلى الأسرة العربية، بحسب ما ذكره حسّونة الابن. 
شهدت الجامعة في عهده انفتاحًا على المجتمع الدولي وتنظيماته المختلفة، فكان حريصًا على إرساء أسس الاتصال والتعاون بين الجامعة والأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة التي مثلت خطوة مهمة نحو بناء الكيان الجماعي العربي، وشكلت أداة للتعاون المثمر بين أعضاء الجامعة رغم وجود خلافات بينهم داخل الجهاز السياسي الأم، منها أزمة الحدود بين مصر والسودان عام 1958 حول منطقتي حلايب وشلاتين، وأزمة لبنان عام 1958 بأبعادها الإقليمية والدولية، وأزمة سوريا ومصر على الانفصال عام 1961، وأزمة الكويت عام 1961 إثر تهديد استقلالها من قبل العراق، والتي شهدت إنشاء أول قوات أمن عربية، وأزمة الحدود بين المغرب والجزائر عام 1963، وأزمة الخلاف بين اليمن الشمالي واليمن الجنوبي عام 1972. 

 

حسّونة الابن

 

العلاقة مع ألمانيا
وفي ما يتعلق بالأزمات مع الدول غير الأعضاء لعبت الجامعة العربية دورًا مهمًا في أزمة العلاقات العربية مع ألمانيا الغربية في شأن مساعداتها السخية لإسرائيل عام 1965، كما قدمت الجامعة دعمًا قويًا لمصر في مواجهة العدوان الثلاثي عام 1956. واحتلت القضية الفلسطينية مكان الصدارة ضمن اهتمامات الجامعة وأولويات العمل العربي المشترك، فمنذ بداية الخمسينات قامت الأمانة العامة بإنشاء أجهزة رئيسة للدفاع عن القضية وتنسيق سياسات الدول الأعضاء تجاهها، كجهاز المقاطعة الاقتصادية لإسرائيل عام 1952، وجهاز الإعلام عام 1953. 
كما أعلن في تلك الفترة عن قيام منظمة التحرير الفلسطينية التي وحدت صفوف المقاومة الفلسطينية وذلك في مؤتمر فلسطيني حضره حسّونة في القدس عام 1964، فأصبحت المنظمة الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني لدى الجامعة العربية وفي المحافل الدولية. 
يضم الكتاب قسمين، الأول عنوانه "من الميلاد إلى وزارة الخارجية"، ويبدأ بتأريخ سريع لجده الشيخ حسّونة النواوي، مفتي الديار المصرية وشيخ الأزهر أواخر القرن التاسع عشر، وبدايات القرن العشرين، مرورًا بميلاد المروي عنه ونشأته وتعليمه وكرياته عن الحرب العالمية الأولى، ومشاركته في ثورة 1919، ضمن جهاد طلبة مدرسة الحقوق ضد الاحتلال، وهي التي اندلعت منها شرارة الثورة. 
والثاني عنوانه "عبد الخالق حسّونة أمينًا عامًا للجامعة العربية"، كما تضمّن خاتمة، وبيانًا بالمحاضر والمراجع، وملحق صور. 
هذا الكتاب التوثيقي هو محاولة من حسّونة الابن لإعادة الاعتبار إلى دور الجامعة في تاريخنا العربي المعاصر، والتركيز على ضرورة التمسّك بها والإيمان بدورها في الحفاظ على الهوية العربية والروابط القومية، في ظلّ التحدّيات الإقليمية والعالمية.    

الأكثر قراءة

العالم العربي 1/17/2026 1:09:00 PM
المرسوم لم يصدر في إطار دستوري كامل لأن العملية الدستورية “ليست بيد الرئيس وحده”
العالم العربي 1/17/2026 2:34:00 PM
معركة كانت قابلة للتوسع، ثم توقفت فجأة لينتقل مسارها من الميدان إلى السياسة
العالم العربي 1/17/2026 6:13:00 PM
وفاة نائب رئيس الجمهورية اليمنية الأسبق علي سالم البيض