في ضيافة أبو نواس الصيني: "أشرب وحيداً تحت ضوء القمر"
تسيّج أشجار الصفصاف الطريق من مطار بيجينغ الدولي إلى فندق مجاور لنهر ليانغما في العاصمة الصينية التي يقطنها نحو 21 مليون نسمة. تبتسم الدليلة مرحبة بالزائر الذي تفيد معلوماتها الأولية عنه بأنه من بلاد العرب. تتحدث بفصحى صحيحة: " أدعى جميلة. هو ليس اسمي، لكن أستاذ اللغة العربية انتقاه. أهلا بكم في ديارنا على طريق الحرير".

تسأل الدليلة: "كيف حال فيروز؟"، وبحزم الحزب الشيوعي الحاكم ، تضع بين أيدي الوفد برنامج عمل مكثفاً يأخذ على مدى أسبوعين إلى نحو 10 مقاطعات تفصل بينها ساعات طويلة عبر القطار السريع الذي يكشف عن جبال وتلال خضراء وجنة على الأرض اسمها "الصين". وحده الذي يؤرق، بينما تشرح جميلة آلية التواصل مع قسم الخدمات الفندقية، ذلك التذكير: "داخل هذا الدرج قناع يحمي من التسرب الكيماوي في حالات الطوارئ". مرعب شكل القناع الأسود الذي يعيد إلى الأذهان كارثة تشيرنوبيل، لكن جميلة تعرف أن تجيد انتشال الضيف من خوفه بإعلانها بداية المشوار، والوجهة مدينة "تشانغآن".

بعربية متقنة تلقي جميلة في الباص المتجه إلى محطة القطار السريع قصيدة: "دَع عَنكَ لَومي فَإِنَّ اللَومَ إِغراءُ/ وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ الداءُ/ صَفراءُ لا تَنزَلُ الأَحزانُ ساحَتَها /لَو مَسَّها حَجَرٌ مَسَّتهُ سَرّاءُ". نعم هو "أبو نواس". القصيدة المدرجة في المناهج التعليمية ضمن مادة الأدب العربي. وهنا في الصين يوجد "أبو نواس الصيني". يدعى "لي بو". يعد من أشهر شعراء الصين القدماء، وعرف بكتابة الشعر الرومانسي حول النساء والخمر والطبيعة.

الطريق إلى "لي بو" طويل. زخات المطر تستلزم التوقف أمام متجر للتزود بمظلات واقية. فالغابة المتدرجة صعوداً نحو مملكة الشاعر تستلزم نحو عشر دقائق سيراً على الأقدام. والدليلة جميلة تؤكد: "أن تعرف الصين يجب أن تبدأ من هنا. من هذه الورود الحمراء التي تشبه شقائق النعمان وترمز الى الأبدية. من حضارة التانغ قبل نحو ألفي عام والتي أطرت لمستقبل ذهبي لبلاد التنين. آنذاك شهدت الصين نهضة حضارية غير مسبوقة وأصبحت العاصمة الإمبراطورية تشانغآن مركزاً عالمياً للتجارة والثقافة، وما تبع ذلك من الإبحار خلف المحيطات في ما عرف بطريق الحرير (حالياً الحزام والطريق) التي تصل بين بيجينغ وبلاد العرب، ويسعى الحزب الحاكم برئاسة شي جين بينغ إلى استعادة تلك الأمجاد ضمن محور للعلاقات الاقتصادية العالمية.
وأن تعرف حضارة بلد غارق في "ثقافة الشاي"، أو "تشا وينهوا"، ولديه صبر بناء سور عظيم يمتد على 11 مقاطعة بطول 21 ألف كيلومتر، لابد من زيارة المعلم السياحي للشاعر "لي بو" (أبو نواس الصيني).
في منزله المسيّج بغابة ضخمة تجاور أكبر بحيرة للمياه العذبة في الصين، يحضر طيف لي بو في كل الزوايا الخضراء قبل أن يغيب في حكاية يتناقلها أبناء المدينة عن موته غرقاً قبل نحو ألفي عام ، حينما حاول من مركبه الصغير القبض على انعكاس ضوء القمر على الماء، وكان مخموراً .

كتب لي بو أكثر من ألف قصيدة، جُمع معظمها في ديوان شعري يحمل اسمه، ومن قصائده "أغنية العروس الحزينة" و"وداع صديق" و"حِداء عمال السخرة" و"رحلة في جبل الجن" و"وداع الذاهبين بلا عودة" و"أنشودة تشيو يو" و"حنين إلى مسقط الرأس" و"أنشودة جبل لو شان" و"ممر سيتشوان" و"أشرب وحيداً تحت ضوء القمر".
"هو شاعرنا الأعظم"، تقول جميلة مرفقة ذكره بعبارة: "الماضي يصنع المستقبل، هو قوة الزمن الباقية، ومن لا يجيد قراءة ماضيه لن يعرف كيف يسير حاضره أو يبني مستقبله. الماضي مفتاح اللعبة".
وبين الطريق الجبلي الضيق الذي يأخذ من منزل لي بو إلى المضافة التي جمعت أبرز شعراء الصين من المتأثرين بفكر "الطاوية"، تعبّد جميلة الطريق إلى هذا الفكر: " وتعني اندماج الفرد مع إيقاعات الكون غير المخطط لها والتي تسمى الطريق أو (داو)، وأعمدتها: الطبيعة، البساطة، العفوية، الرحمة، التقشف، التواضع"، متطرقة إلى زمن حكم سلالة التانغ: "كان لهذه السلالة التأثير الثقافي الهائل على الدول المجاورة مثل كوريا واليابان وفيتنام. وكانت سلالة اللونغشي لي التي ينتمي إليها شاعر التانغ لي بو تؤمن بأن رضى الشعب أساس دوام الحكم: الحاكم هو السفينة والشعب هو النهر العظيم. وإن جف النهر لن تتقدم السفينة إلى أي مكان".

وضع لي بو-الشاعر الرحالة في عالم مائي- أكثر من ألف قصيدة في حب الطبيعة، تحفظ جدران منزله والنصب المقام تخليداً لذكره، أبيات محفورة في الصخر: "يا حبذا لو يرقص الجنود / هناك بالتروس والرماح/ فيغسلوا بالحب والغناء / ضغائن النفوس ". ومزيد من الأبيات في كل مكان في الغابة العملاقة تعرّبها جميلة: "كي نغسل أرواحَنا، ونُطهِّرَها، من أحزان العُمر، أفرَغْنا مائةَ إبريقِ خمرٍ. كانت ليلةً رائعةً...كرهْنا فيها أن نرقدَ تحت ضوءِ القمرِ الساطعِى لكنّ السُّكْرَ غلَبَنا، أخيراً. فانطرحْنا على الجبل الأجرد. الأرضُ مُفترَشُنا والسماءُ العظيمةُ ملتَحَفُنا".

وفي طريق العودة مزيد من الأبيات: "الآن تحت القمر، المرآة التي تبحر في السماوات، والغيوم المنتفخة التي تنسج قصور البحر، أقول لك وداعاً: أنت تبحر لآلاف الأميال/فوق النهر الذي يحملك/إلى بيتك القديم"، ومزيد من المرويات الشعبية عن النهر الذي تغني أسماكه كل مساء: "تقول الحكاية الشعبية إن أبو النواس الصيني الذي كان مخموراً حين حاول من على مركبه جاهداً لمعانقة القمر، سقط في النهر حيث احتفت به الأسماك ولأجله تدندن كل مساء نوتات حلوة تعلمتها منه: "أتسلق فوق ظهر المركب/وأرى قمر الخريف/بغموض أتأمل ملياً الجنرال/أنا أعرف أيضا كيف أترنم بالشعر/ غداً عند الفجر/سأدفع الشراع وأرحل/آه كيف لأوراق القبقب أن تستمر في السقوط".
عند المساء، في طريق العودة إلى الفندق، على المقلب الآخر من النهر، تطلب جميلة من الحافلة التوقف قليلاً، إنما لتشرح بعضاً من عادات المتقاعدين في الصين: "هنا على حافة هذا النهر، يتحلق المتقاعدون أزواجاً، ويرقصون على أنغام أبيات لي بو. لعله يشاركهم الرقص من حيث هو. إنهم يرفدون أرواحهم بعشق الحياة".
تطوي جميلة صفحة "لي بو" بأمانة، معلنة خطة اليوم التالي: "معبد السماء حيث تقدم القرابين لحصاد وافر. غدا حكاية جديدة عن الامبراطور جيا جينغ".
نبض