قصة الكتاب الذي خبأته

ثقافة 19-12-2024 | 14:27

قصة الكتاب الذي خبأته

هذا كتابٌ لم ينل حقّه، بالرغم من أني أعتقد أنه أكمل ما كُتب عن لبنان وسوريا، عن العلاقة التاريخية والحديثة بينهما وبخاصةٍ بعد عام ١٩٧٠ تاريخ وصول حافظ الأسد إلى السلطة في دمشق. حدث ذلك عام ٢٠١٢، أي بعد سنة من تاريخ اندلاع الثورة السورية.
قصة الكتاب الذي خبأته
غلاف كتاب "ما بين لبنان وسوريا من النظام إلى الدولة". (دار النهار)
Smaller Bigger

الدكتور داود الصايغ

هذا كتابٌ لم ينل حقّه، بالرغم من أني أعتقد أنه أكمل ما كُتب عن لبنان وسوريا، عن العلاقة التاريخية والحديثة بينهما وبخاصةٍ بعد عام ١٩٧٠ تاريخ وصول حافظ الأسد إلى السلطة في دمشق. حدث ذلك عام ٢٠١٢، أي بعد سنة من تاريخ اندلاع الثورة السورية. وكنت أتوجّس تخصيص ندوة لإطلاقه مثل عادتي، في نادي الحكمة بالأشرفية، بصفتي أحد قدامى الحكمة. وقبل الندوة، ولأسبابٍ لها علاقة بالداخل اللبناني يومذاك، وبالداخل السوري بخاصةٍ، تمنيت على اللواء الصديق أشرف ريفي، مدير عام قوى الأمن الداخلي يومذاك، إرسال عناصر حماية إلى باحة مقرّ النادي، توجّساً مني لحادثٍ طارئٍ قد يقع، بالنسبة إلى حساسية الموضوع، الذي عالجت فيه – يومذاك – أي عام ٢٠١٢ كل قصة آل الأسد، ودورهم ودور نظامهم في لبنان. أي اثنتا عشر عاماً قبل السقوط المدوي، الذي كنت أتوقع حدوثه يومذاك. وعنونته كما صرنا نتمنى اليوم: ما بين لبنان وسوريا من النظام إلى الدولة، أي كيف تتحول العلاقة بين البلدين إلى علاقة دولة بدولة، وليس نظاماً مخابراتياً بدولة ذات مؤسـسات دستورية.


ولدى انتهاء الندوة تنفسنا الصُعداء، إذ لم يقع أي حادثٍ يومذاك. بلى. بعد أيامٍ استُشهد الصديق وسام الحسن في الجريمة المعروفة والموصوفة. وبعد أيامٍ صعدت إلى بكركي لمقابلة البطريرك المتنحي نصرالله صفير، الذي حين وقع نظره على عنوان الكتاب قال بعفويةٍ وبلهجته الكسروانية المعروفة والمحببة: "ليش عم تحركش فيهم؟" أي بالسوريين. وهو العارف الصادق والموثوق الذي ربطتني به علاقة احترامٍ ومودة منذ عام ١٩٩٠ وحتى رحيله، في مهمات معروفة أدّيتها بينه وبين الراحل الشهيد رفيق الحريري. وخرجتُ مرتبكاً. ماذا لو كان البطريرك صغير على حق. فهو أدرى الناس بمواصفات ذلك النظام الذي لم يرغب يوماً بإقامة بعلاقة مودة معه بالرغم من كل المحاولات من قبل أركان النظام، وإلى درجة أنه رفض زيارة دمشق يوم زارها البابا الراحل القديس يوحنا بولس الثاني عام ٢٠٠١. فازدادت نقمة النظام عليه، ولم يعبأ كعادته عندما تتعلق الأمور بقناعات ذلك الإنسان الصلب الذي أخفى صلابته خلف فضائله ومقامه المعروف. 

 

وبعد أيام اتصلت بالصديق الإعلامي الراحل رمزي النجار، الذي كان من ألمع اختصاصيّي الترويج والذي أودت به جائحة كورونا بعد ذلك بكل أسف، فاجتمعت به في بيت الوسط وقدمت له الكتاب ليرى كيف أروج له باعتباره أول كتاب، وأقولها بكل تواضع، من أكثر الكتب التي عالجت العلاقة بين البلدين جديّة، إذ قضيت أياماً وأسابيع أبحث عن المراجع في المكتبات الجامعية وتوصلت إلى ما سبق وقاله الراحلان رياض الصلح وكمال جنبلاط بخصوص العلاقة مع سوريا وذلك قبل حافظ الأسد، وسوى ذلك عن تاريخ نشوء سوريا كدولة بين عامي ١٩٢٤ و١٩٣٦ بقرارين من المفوض السامي الفرنسي، وكيف أُلحقت ولايات حلب وجبل العلويين وجبل الدروز بولاية دمشق أي كيف وُلدت سوريا الحديثة في النهاية عام ١٩٣٦، وأن لبنان ليس جزءاً منها ولا من عقيدة حكامها، ولا بخاصة من عقيدة حافظ الأسد الذي تعود إليه مسؤوليات كل ما جرى في لبنان بعد ذلك. ولكن بعد يومين اتصل بي الراحل رمزي النجار قائلاً لي: "أنصحك يا دكتور بأن تضبّه" أي أن تخفيه. كان خائفاً على نفسه وعليّ. واستمرّت "دار النهار" للنشر توزعه ولكن دون إعلامٍ أو دعوة مني لترويجه. وأمامي صور الشهداء الذي كان آخرهم يومذاك وسام الحسن في الجريمة الموصوفة كون مسؤولي النظام السوري لا يخفون اغتيالاتهم أو كما قال لي مرة بالفرنسية صديقٌ راحل "Les Syriens signent les forfaits" أي أن السوريين يوقعون على جرائمهم المنكرة. ولذلك لم يصدر عن النظام، نظام آل الأسد، أي نفيٍ لما اتُهموا به من جرائم. وقد ذكر الرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك في كتابه "الزمن الرئاسي": إنه يعتقد بأن بشار الأسد هو الذي قتل رفيق الحريري الصادر عام ٢٠١١. بالإضافة إلى صفحاتٍ أخرى عن بشار، وكيف أن والده حافظ أوصاه به قبل وفاته وقبل أن يكتشف حقيقته.

 

"كل المغامرة السورية في لبنان تولدت في عقل حافظ الأسد" هكذا بدأت في المقدمة، وهو ما شدد عليه الصديق الوزير مروان حمادة في مداخلته يوم نظمت الندوة.

 

سوف يُكتب الكثير عن مرحلة الـ٥٤ عاماً من الحكم الاستبدادي في سوريا والذي تُختصر علاقته بلبنان بكلمتين واحدة لميشال شيحا الذي قال فيها "Il appartient à la chère Syrie de faire des pas vers nous et non pas nous des pas vers elle أي على سوريا العزيزة أن تخطو خطواتها تجاهنا وليس نحن تجاهها". ولعله يُلاقي بذلك ما كتبه المستشرق جاك بيرك في كتابه "العرب" بأن "Le Liban s’oppose dos à dos à la pathétique Syrie" أي أن لبنان يتناقض حتى إدارة الظهر للظهر مع سوريا المثيرة للشفقة. ويقصد المؤلف هنا بكلمة "Pathétique" ليس الشفقة المعروفة بل الأحلام غير الواقعية لنظام الحكم أو لأنظمة الحكم فيها. 


هذه الكلمات أحببت من خلالها أن أقول بأن عذاب الأنظمة سبب كوارث للبنان، للبنان الشقيق الذي هو أبعد ما يكون عن رابط الأخوة مع ذلك النظام وتلك الأنظمة. الأمل الوحيد بعد سقوط هذا النظام، هو أن تصبح سوريا مثل لبنان وهذا هو حظنا الوحيد وأملنا الوحيد.

الأكثر قراءة

لبنان 6/10/2026 5:22:00 AM
من لا يزال حليف "حزب الله" في الساحة السياسيّة السنيّة؟
لبنان 6/10/2026 7:00:00 AM
صباح الخير من "النهار"...

إليكم أبرز الأخبار والتحليلات لليوم الأربعاء 10 حزيران/ يونيو 2026