مسؤول كبير في صندوق النقد لـ"النهار": علاج لبنان ودول الخليج... "الإصلاح" أولاً!

ماذا عن الملف اللبناني؟

أمام هذه التغيرات الهيكلية، كان لـ"النهار" حديث مع نائب مدير الشؤون المالية العامة في صندوق النقد الدولي، عبد الحق الصنهاجي حول التطورات التي تشهدها الدول الخليجية بالاضافة الى كل الدول العربية والشرق اوسطية. في البداية تقويم للسياسات المالية المعتمدة من دول مجلس التعاون الخليجي والمطلوب لضمان الاستدامة المالية لهذه الدول، حيث يعتبر الصنهاجي ان هذه السؤال مهم جدا وبخاصة بالنسبة الى دول مجلس التعاون الخليجي التي وضعت كل ثقلها لإيجاد الحلول والطرق المناسبة لضمان الاستقرار المالي المستدام فيها في الوقت الذي لم تعد فيه اسعار النفط الى مستوياتها المرتفعة والتي إستفادت منها هذه الدول في السنوات الماضية. ويضيف: "أعتقد ان أزمة تراجع اسعار النفط بشكل دراماتيكي منذ العام 2015 لم تشكل بحد ذاتها صدمة بالنسبة الى دول الخليج التي كانت شهدت في الاعوام الماضية أزمة مشابهة، وبالتالي، أقدمت هذه الدول على التعاطي مع هذه الازمة من خلال طريقتين: الاولى الاستفادة من الاحتياطات المالية التي تم تخزينها في السنوات الماضية بالاضافة الى بيع بعض الاصول، وثانيا، قامت العديد من هذه الدول بإطلاق برامج تقشفية وتصحيحية تهدف الى خفض الانفاق وتأمين المزيد من الايرادات، مع الاخذ بعين الاعتبار ان تراجع اسعار النفط ليس فقط على المدى القصير وإنما قد يستمر لفترة طويلة ستحتاجها الاسواق للعودة الى التوازن المطلوب". من هنا، كان على هذه الدول السير بإجراءات تقشّفية وبخاصة في ما يتعلق بالاقتطاعات في النفقات بشكل كبير وتنويع مصادر الدخل من خلال فرض المزيد من الضرائب، ومنها ضريبة القيمة المضافة التي يتوقع تطبيقها قريبا، مع تطوير قطاعات غير نفطية. كلها اسباب ساهمت في وقف التدهور المالي في هذه الدول وأعادتها الى الطريق الصحيح نحو تحقيق التوازن المالي. 

وفي ما يتعلق برؤية المملكة العربية السعودية 2030، يعتبر الصنهاجي ان الاهم في هذا الملف هو العمل على خفض العجز المالي الهائل الذي يتراوح في الوقت الحالي في المملكة بين 16% و 17%، وهو المستوى الذي تشهده المملكة حاليا. والاحتياطات التي تملكها السعودية وتتخطى 100% ناتجها المحلي، يمكن ان تتراجع بشكل كبير في السنوات الخمس المقبلة في حال لم تنجح البلاد في خفض عجزها الحالي. ويتابع: "توصياتنا للمملكة تركز على أهمية تخفيض النفقات أكثر فأكثر والاستمرار في الاقتطاعات المالية التي تقوم بها مما يؤمن لخزينتها المزيد من الايرادات، وبخاصة غير النفطية، وبطريقة فعالة والاهم، بطريقة عادلة".

الملف اللبناني...

أما في ما يتعلق بلبنان، فيقول نائب مدير الشؤون المالية العامة في صندوق النقد الدولي عبد الحق الصنهاجي لـ"النهار"، انه من المهم جدا ان يعمل لبنان على تخفيض حجم الدين العام الذي يعاني منه والذي يقدره صندوق النقد بنحو 134% من الناتج المحلي في نهاية العام 2016. وهذه النسبة تعتبر قياسية مقارنة بما تسجله الاسواق الناشئة الاخرى. والملفت ان لبنان تعايش لسنوات مع هذه النسب العالية من الدين بالنسبة الى الناتج المحلي، مقارنة مع النسب المسجلة في الدول الاخرى وبخاصة المجاور له. ويعتر الصنهاجي ان تحويلات المغتربين هي من أبرز العوامل التي ساهمت في تدعيم الاقتصاد، ولكن هذا الامر لا يمكن أن يستمر طويلا. فالايرادات الى تراجع والنفقات في إرتفاع، في الوقت الذي تعاني البلاد من تداعيات الازمة في المنطقة وبخاصة ازمة اللاجئين والكلفة المرتفعة التي تتحملها الدولة لإستصافتهم. ويتابع: "ان الوضع المالي في لبنان ضعيف رغم المحاولات المستمرة من السلطات اللبنانية للجم هذا الضعف ووقف التراجعات، وبخاصة في ما يتعلق بموضوع إدارة الدين العام. وفي ما يتعلق بالتوصيات التي على الحكومة العمل عليها، يعتبر الصنهاجي ان تحفيز النمو الاقتصادي الضعيف والذي لا يتخطى 2% يجب ان يكون من الاولويات، بالاضافة الى العمل على إعادة الثقة للمستثمرين من خلال تأمين الاستقرار السياسي والبيئة الاستثمارية المؤاتية، ومن خلال إعتماد البرامج الاصلاحية التي يجب على الحكومة اللبنانية السير بها. وتوقع تقرير صندوق النقد الدولي الذي يحمل عنوان: "النظرة المستقبليّة للإقتصاد العالمي" أن يحقّق الاقتصاد اللبناني نموّاً حقيقياً بنسبة 2% في 2017 و2.5% في 2018 و3% في 2022، وهي نسب شبيهة بالتوقعات السابقة التي أعلنها صندوق النقد في تشرين الاول 2016. كما توقعت المؤسسة المالية الدولية ان يستمر تراجع عجز الحساب الجاري في لبنان الى ما يقارب 15.5% في 2017 ونحو 14.9% في 2018 وصولاً الى نحو 12.4% بحلول 2022 مقارنة بـ16% في حلول نهاية 2016.

مصر تسير على الطريق الصحيح

في الاشهر الماضية، كان ملف إنقاذ ومساعدة مصر على طاولة صندوق النقد الدولي حيث طلبت القاهرة من المؤسسة المالية قرضا بقيمة 12 مليار دولار، ووافق الصندوق على هذا القرض في تشرين الثاني 2016، بشروط ميسّرة لتدعيم ماليتها ووضع حد لأزمتها، مقابل حزم إصلاحات وخطة تقشفية شاملة. ويعتبر البرنامج الذي يقدمه الصندوق لمصر من أهم برامجه، وهو ثاني أكبر برنامج مالي لديه. ومن هنا يعتبر الصنهاجي ان مصر تسير على الطريق الصحيح للحصول على دعم الصندوق والاجتماعات التي عقدمها ممثلو الصندوق مع السلطات المصرية، تؤكد ان القاهرة ملتزمة تطبيق الاجراءات الاصلاحية التي تصب في مجال إصلاح ماليتها وإقتصادها. ويقول: "هذا البرنامج يهدف الى مساعدة السلطات المصرية على السيطرة على العجز الكبير في النقد الاجنبي التي تعاني منه البلاد، نتيجة الازمات المتلاحقة التي ضربت البلاد، وأثرت على القطاع السياحي الذي يعتبر المصدر الاساسي للعملة الصعبة في مصر". وفي النهاية يؤكد الصنهاجي ان صندوق النقد مثل غرف الطوارئ يدخلها المريض لمعرفة اسباب مرضه وليخرج منها مع العلاج المناسب الذي لا يعجبه في معظم الاحيان، ولكنه مجبر على إتباعه للشفاء. وهذا ما يبرر غضب المجتمعات والمواطنين من الاجراءات التي يفرضها الصندوق، والتي تكون قاسية في معظم الاحيان ولكنها ضرورية لإنقاذ البلاد.

Maurice.matta@annahar.com.lb

Twitter: @mauricematta

يلفت موقع النهار الألكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard