موازنة 2017...المطلوب أكثر بكثير من 1000 مليار!

موازنة 2017...المطلوب أكثر بكثير من 1000 مليار!

أقر مجلس الوزراء مشروع موازنة 2017، التي لحظت إنفاقا عاما قارب 23 ألف مليار و702 مليوني ليرة بالمقارنة مع 24 ألف مليار و702 مليوني ليرة كانت محددة في السابق، فيما عمل مجلس الوزراء على خفض هذا الإنفاق بما قيمته 1000 مليار ليرة تقريبا. كما توقع مشروع موازنة 2017 إيرادات بـ18158 ملياراً، منها الايرادات من فرض ضريبة استثنائية على الأرباح الاستثنائية التي حققتها المصارف في العام الماضي من جرّاء "الهندسة المالية"، وقد فاقت 5 مليارات دولار. فيما لم يتضمن المشروع التعديلات الضريبية المقترحة في المشروع الأساسي للموازنة، ومنها الاجراءات الهادفة الى فرض ضريبة بمعدّل 15% على البيوعات العقارية، بالاضافة الى رفع أرباح شركات الأموال من 15% إلى 17% ورفع الضريبة على الفوائد المصرفية من 5% إلى 7%. وقد ترك هذا الامر ليبت في مجلس النواب.

 

لم يعد موضوع تحديد أولويات الإنفاق وضبطه يحتمل التأجيل، وبات ضروريا المضي قدماً بورشة الاصلاحات اللازمة بما فيها تحديث الدولة لمؤسساتها وتشريعاتها بهدف الحد من وتيرة ازدياد عجز الموازنة وتأمين التوازن قدر المستطاع بين الايرادات والنفقات المقدرة في الموازنة العامة وأرقامها. ولكن، تبقى المشكلة الاساسية فقدان السيطرة على الإنفاق نتيجة بند الأجور والتعويضات والتقاعد الذي أصبح يفوق 5.5 مليارات دولار، بعد احتساب كلفة سلسلة الرتب والروابت ضمنًا، أي أكثر من 40% من إجمالي الإيرادات. كما ان خدمة الدين العام تزيد يومًا بعد يوم، إذ يحوّل غياب النمو العجز تلقائيا إلى دين عام. وبحسب التوقعات، قد يلامس الدين العام نهاية 2017 ما يقارب الـ 80 مليار دولار، بالمقارنة مع 70 مليارا تقريبا عام 2015، ونحو 75 مليارا عام 2016.

 

وبالعودة الى أكثر البنود خطورة التي ساهمت في زيادة الإنفاق العام في الاعوام الماضية، يظهر جليا أن الأجور ارتفعت من 3970 مليار ليرة لبنانية عام 2008 إلى 7080 مليارا عام 2015، مما يعني أنها تضاعفت تقريباً. كذلك الأمر بالنسبة إلى خدمة الدين العام التي ارتفعت من 5304 مليارات ليرة في العام 2008 إلى 7050 مليار ليرة في العام 2015، فيما يتوقع ان يكون حجم هذا البند أكثر من 7500 مليار ليرة للعام 2017 وبخاصة نتيجة التعاقدات والعدد الهائل من الموظفين الذين تم ضمّهم الى ملاك الدولة خلال 2016. وبالاضافة الى ذلك، يشكل بند السفر ضغوطا كبيرة على الموازنات ويتمثّل بالتعويضات التي تقدمها الدولة إلى الموظفين الذين يُسافرون في مهمات والتي تصل إلى نحو 1000 دولار يوميا، تضاف اليها التعويضات التي تطاول المُشاركة في اللجان النيابية، وبند التجهيزات وخصوصا المفروشات.
تحمل هذه السنة تحدّياً جديداً للحكومة مع استحقاقات مالية بقيمة 7.9 مليارات دولار، منها 3.9 مليارات استحقاقات رأسمال و4 مليارات خدمة للدين عام. كما أن إقرار سلسلة الرتب والرواتب، سيفرض عبئاً يقارب 1200 مليار ليرة سنوياً، مما يجعل منها العبء الأكبر على الخزينة بحكم حجمها والمفعول الرجعي في حال أقر.
أمام كل هذه المعضلات والأزمات، يجب على الحكومة ومجلس النواب التحرك على جبهات عدة للمحافظة على المالية العامّة وحمايتها من التعثر، من خلال تحفيز الاستثمار في الماكينة الاقتصادية، مما يسهم في إيجاد فرص عمل وزيادة الاستهلاك ويرفع مداخيل الخزينة العامة، بالاضافة الى العمل سريعا على لجم الإنفاق الجاري مثل التوظيف العشوائي والهدر في مؤسسة كهرباء لبنان والإنفاق في وزارات ومؤسسات الدوّلة، إذ يكفي النظر إلى الإنفاق في مشروع الموازنة لمعرفة أن هناك أكثر من 96% من الإنفاق هو إنفاق جارٍ.


وتوازيا، يجب البدء بسلسلة إجراءات إصلاحية لخفض حجم الإنفاق قبل فرض اي ضرائب جديدة، ومن أهمها السيطرة على بند الأجور الذي يبقى المُشكلة الأكبر، حيث يفترض ترشيد هذا البند الذي يستهلك نصف مدخول الدولة، مما يحتم وقف التوظيف العشوائي الذي يطاول الوظائف العامّة وعلى رأسها العقود غير القانونية مثال عقود المُصالحة التي يُمكن إسناد مهامها إلى الموظفين الثابتين. ولا يمكن الاستمرار في سياسة التوظيف العشوائية من دون تحديد ملاكات الوزارات والمؤسسات مع قياس الأداء والإنتاجية لكل موظف. ويبقى المهم إقرار وقف التوظيف والاستخدام في الادارة لمدة سنتين، إلى حين وضع دراسة للادارات وحاجاتها. اما في ما يتعلق بملاك الدولة، فهناك شواغر، مما يحتّم التعيين، بالاضافة الى إعادة النظر في هيكلية القطاع التربوي لتقليص حجمه، وإعادة النظر في الهيكلية الادارية لقطاع الادارة العامة والرواتب ومعاشات التقاعد، مع إعادة النظر في قانون التقاعد والمنح التعليم، وإعادة النظر في التدرّج، على أن لا يكون تلقائياً، بل يبنى على الكفاية والنتائج وامتحانات مستمرة. وكل ذلك يواكبه إطلاق ورشة تشريعية وادارية لتحديث الادارة العامة والمؤسسات العامة وزيادة إنتاجيتها، بما ينسجم مع الرواتب والتقديمات والعطاءات.


ومن أهم المشاكل التي تمنع خزينة الدولة من تحصيل إيرادات بالمليارات سنوي، جرم التهرب الضريبي، وبالتالي الاجراءات التي ستُتخذ للحد من التهرب الضريبي ستفرض إقرار قوانين تتعلّق بالتبادل المعلوماتي بين الوزارات والمؤسسات العامّة ومكننة العمليات التجارية. كما ان محاربة الفساد وحدها كفيلة بإعادة التوازن المالي، إنشاء هيئة وطنية لمكافحة الفساد على مثال خطة "اليد البيضاء" التي وضعها وزير العدل في إيطاليا منتصف تسعينيات القرن الماضي، ناهيك بإقرار الآليات الهادف إلى وقف الإهدار المتعلّق بالتهرب الضريبي، والتحقيق في كل الملفات والعقود والصفقات التي أبرمتها الحكومات السابقة والتي يشوبها شكوك فساد وهدر.


وأضيفت الى إيرادات موازنة 2017 ما قيمته 300 مليار ليرة من مداخيل المرفأ، كما التزم وزير الاشغال تأمين عائدات الدولة من مرفأ بيروت. وتشير بعض التقديرات الى أن حجم التهرب الضريبي في الجمارك تخطى المليار و900 مليون دولار، أقله بحسب ما كشفه بعض النواب في إحدى الجلسات التشريعية، بما يستدعي فتح تحقيق فوري وإعتبار هذه المعلومات إخباراً للنيابات المختصة. وكان وزير الخارجية جبران باسيل لفت الى وجود مطلب مزمن حول مداخيل المرفأ الذي يحتاج ايضا الى لجنة جديدة وتأمين الايرادات الدائمة له. وما يجب الشروع فيه، هو العمل على وضع آليات جديدة وفعّالة لاستيفاء الرسوم الجمركية على كل المعابر اللبنانية، بما يستدعي ورشة إصلاح سريع داخل هذه الادارة بالتسيق مع وزارة المال.


أما في موضوع الضريبة على القيمة المضافة، فقد أبدى وزراء "التيار الوطني الحر" تحفظا عن رفع الـtva الى 11%، وتمت إحالة الموضوع إلى مجلس النواب.
ومن أبرز الإصلاحات المطلوبة لمواكبة موازنة 2017، الاسراع في إقرار قانون الاملاك البحرية الذي أحالته اللجان على الهئية العامة لمجلس النواب، وهو ما يعتبر إنجازا لأكثر من 25 سنة من الصراع حول هذا الملف. وبحسب التقديرات، يمكن أن يساهم هذا القانون في إيرادات تصل الى 800 مليون دولار.
ومن الاجراءات، إعادة درس كل عقود الايجارات التي وقعتها الحكومات السابقة مع القطاع الخاص، لاستئجار مراكز للوزارات والادارات العامة، ومن ضمنها الجامعة اللبنانية والمدارس الخاصة وغيرها، بالاضافة الى البحث في إمكان استفادة الدولة اللبنانية من العقارات التي تملكها في بيروت وخارجها.

 

Maurice.matta@annahar.com.lb
Twitter :@mauricematta

يلفت موقع النهار الألكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard