زمرد الشرعوبة

زمرد الشرعوبة

كانت زمرد متزوجة من عمّي مراد، ولكنها اختلفت معه لأنه كان صعب المزاج، وهي كانت متمرّدة وذات طباع صعبة. وبما انها لم ترزق بأطفال قرّرت ذات يوم أن تهاجر. فسافرت الى المكسيك حيث كان سبقها اليها سليم(أبي) والعائلة (قبل ان أولد) وعمّي ميشال الذي لم يرزق بأولاد وعمّي رشيد الذي رزق بأولاد. تركوا بعقلين حيث كانوا يكونون العائلة المسيحيّة الوحيدة ويعيشون مع الدروز منذ زمن طويل بسلام وامان ما عدا بعض المشاكل التي كانت تعالج بسرعة.

الهبّات الساخنة كانت اقل بكثير من الهبّات الباردة، ولكن في مطلع العشرينات ركبوا البابور (المركب) وسافروا الى المكسيك. فوصلوا إليها بعد 3 اشهر. وهكذا بدأت اولى مغامراتهم. فكانوا يبيعون على "الكشة"، ويتنقّلون مشيًا من قرية الى قرية حتى المساء. كانت البداية صعبة ولكنهم صبروا وجمعوا المال وعادوا الى الديار.
بعد هذه الهجرة نزل من بقي من العائلة الى دير القمر. ستّي فريدة كانت تقول دائما عندما أموت اريد ان ادفن قرب خطار في بعقلين.
لكن عندما وسّعوا الطريق في بعقلين جمعوا خطار وغيره في مكان آخر، وبقيت فريدة لغاية اليوم مدفونة في دير القمر.
اما ام مراد فقد توفّيت في دير القمر، وتجمّع الأهل حول جثمانها وسحب مراد "التركيبة" من فمها ورماها في الجل. فجأة انتصبت ونظرت حولها وصرخت: شو في؟ شو صار؟ لماذا انتم هنا؟
صرخ مراد" نزلوا لموا التركيبة. امي رجعت على الحياة".
وزمرد قرّرت من يومها ان تتبنّاني لكن أمي، التي انجبت 4 بنات و4 صبيان لم تقبل بالمشروع رغم بساطتها، وبقيتُ في أحضانها الى الابد.
المهم في القصة هو زمرد وتمرّدها على التقاليد وطباع زوجها. قرّرت الهجرة. نفّذت. سافرت. تاجرت. جمعت مالًا كثيرًا وعادت لتموت وحيدة في بيت للراحة في لبنان.
لم تقبل يومًا ان تأكل عند أحد من العائلة. وكانت تحمل في حقيبة يدها رغيفًا مع قطعة جبنة. فعند وقت الغداء كانت تخرج رغيفها وتأكله. وتقول دائماً "بوينو" (أي حسنًا) وتبدأ في سرد حكاياتها عن المغامرات في القرى المكسيكية البعيدة من دون ان تميل. تقف فجأة وتقول لنا: بوينو. سأذهب. البوسطة تنتظرني. وتغيب في بيتها في دير القمر مع جدتي التي تعلّمت القراءة بعد ان تزوجت، ورزقت بأبي عندما بلغت الخامسة عشرة من عمرها. فعلّمها جدّي القراءة ليمنعها من اللعب بـ"الاكس" مع أولاد الحارة.
فجأة مرضت زمرد وأصبحت تشتكي من أمور كثيرة. وتنازلت اخيراً وذهبت الى كلينيك (عيادة) الدكتور الوحيد في دير القمر آنذاك ففحصها. ثم سألها عدة أسئلة.
فقالت: أشعر بأصوات مزعجة في أذني، فقالَ لها هذا من الستين. فقالت اسمع "صوفيرة" في رأسي، فقال: هذه من الستين. قالت عندما أصحى في الصباح يكون جسمي كلّه مكسّرًا، انني "ختيرت"، وعمري صار 80 وليس 60 . فنظر اليها وصاح في وجهها: "80؟ اي روحي انقبري موتي، شو بعدك عم تعملي هون؟"
وبعد اسبوع من دخولها في بيت العجزة، انطفأت من دون اية ضجة.


Laure.ghorayeb@annahar.com.lb

 

يلفت موقع النهار الألكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

Digital solutions by WhiteBeard
Digital solutions by WhiteBeard