السرقة حرام
جوسلين مراد
ننظر بعين اليقين الى قمم الجبال العالية... وهم ينظرون بعين الوهم الى قعر الأودية.
لكننا نعرف الجبال كما تعرفها النسور، وندرك الأودية كما تدركها الجداول.
أما هم فقد بنوا مساكنهم بين جماجم الأودية، فلم تروِ ظمأهم جداولها.
وما بين الوهم واليقين تسير الأجيال هازئة من أجيال أسلافها.

كيف يرضى أبناء الله أن يكونوا عبيداً للشر؟
لقد رفع الله رؤوسهم نحو السماء، فكيف يمرغونها بالتراب؟
لقد وهبهم أجنحة لأرواحهم، فمزقوها وقطعوها بفأس الأنانية الحاد.
كيف يقبلون أن يكونوا أداة طيّعة في يد سوداء ذات مخالب طويلة؟
لقد خلق الله الجمال، فلماذا يختارون القبح؟
أوليست الأيدي البليدة والفارغة أفضل من الأيدي التي تصنع من الشوك تاجا؟
أوليست الأيدي المشدودة بالأغلال أفضل من الأيدي التي تمسك السياط لتجلد الانسانية؟
أوليست الأيدي الخاملة أفضل من الأيدي التي تمتد لتسلب أتعاب غيرها ومجهوده؟
أوليست العيون المغلقة أفضل من تلك التي ترصد ما عند غيرها لتسلبه وتنسبه الى نفسها؟
فمن ولدوا في القبور المظلمة واستيقظوا على أصوات الغربان وتفتحت عقولهم بين الجماجم،
واستحموا في مستنقعات الجهل، لن يروا سوى أشباحاً تدور حولهم،
فقاموا يحفرون تراب الأرض كي يخفوا في جوفها رؤوسهم.
لقد ولدوا مسلوبي الارادة، فكيف يرفعون عيونهم نحو السماء؟
هم أولئك السارقون العبيد الذين تبدل يد القدر قيودهم البيضاء الصدئة بقيود لامعة،
فيظنون أن مصيرهم قد تغيير وأنهم أصبحوا أحراراً مستقلين.
فما أكبرهم في مرآة عيونهم، وما أصغرهم في أعماق عيوننا.
فما هذا الحق الذي يكرم عملاً واحداً ثم يبيد مجهوداً كاملاً؟
وما هذه الأخلاق التي تحدد موعداً ثم تسرق أطروحة بحث؟
وما هذا الجود الذي يعطي من جيبه ويأخذ من قلوبنا؟
وما هذا الود الذي يقدم وردة مستعارة ليستهلك سنين أعمارنا الوردية؟
وما هذا القصد الذي يطفيء شمعة ثم يشعل غابة؟
وما هذا العدل الذي ينصف شخصاً في شوط واحد، ليعود فيظلمه في الأشواط الأخرى؟
وما هذا الانجاز الذي يبني مركز استشفاء، ثم يلوث مدينة ويهدم مبانيها؟
وما هذا العطف الذي يمسح دمع حزين ويتسبب ببكاء أمة جمعاء؟
وما هذا الأمان الذي يحمينا ليوم واحد، ثم يستولي على راحة البال من باقي أيامنا وليالينا؟
وما هذه الرحمة التي تنقذ روحاً من الغرق، ثم تودي بقارب مأهول الى الغرق في خضم المحيط؟
وما هذا المنطق الذي يدعي النزاهة ولا يكيد الفاسد.
لقد سئمنا وسئمتم، سئمنا أن نتوسل الحياة كي تبعد عنا أمثال هؤلاء السارقين.
سئمنا أن نطرح أعمالنا في وجه الشمس، فلا تأتي سوى الغربان السوداء لتلتقطها.
فإن فرحنا يوماً واحداً وحزنا ألفاً فسنجد من يحسدنا على هذا اليوم الواحد.
وعلى هذا الفرح النادر الذي مرّ مرور الكرام زائراً واختفى.
والحياة قد اختبرت صبرنا بطريقة قاسية جداً لكننا مع ذلك لم ننحنِ.
فقد جعلنا من كرامتنا درعاً وتمسكنا بذواتنا الحرة، فهي الوطن الوحيد الذي لا يخون.
وما بيننا وبين هؤلاء السارقين دروب لم نخترها للقائهم،
لكننا التقيناهم في كل درب، كما لو أنهم واقفون في انتظارنا في كل دروب العمر.
فمن كان أسيراً للأنانية، لن يكتفي بالنظر الى ما أنعمت به عليه الحياة.
فهو في الحقيقة أشد خبثاً من الشيطان، فوجد في الزيف نمط حياة.
فبدلاً من أن يسقي ورود حديقته، يذهب ليقطف الوردة الوحيدة في بستان جاره.
السارق هو القاتل الذي لم يعاقبه القانون بعد، لأن عقابه سيأتي من الله.
السارق هو الظالم الذي يرتدي أثمن الملابس من دون أن يدفع ثمنها.
فالثياب الفاخرة... لا تخيط الكرامة.
ولأن من عنده ذرة واحدة من الكرامة... لا يسرق.
نبض