إيران وسقوط المصداقية

إيران وسقوط المصداقية
إيران (أ ف ب).
Smaller Bigger

 عماد جودية

"حزب الله" وحده لا يستطيع أن يقف في وجه دولة مسلحة تسليحاً جيداً جداً ولديها القدرة على الوصول إلى أنظمة أسلحة تتفوق بكثير على أي شيء آخر. الآن إن كنا نتحدث عن "حزب الله" وحده، فماذا يستطيع أن يفعل بمفرده ؟ يجب على الدول الإقليمية والدول الإسلامية أن لا تسمح للبنان بأن يصبح غزة أخرى على أيدي إسرائيل. لا يستطيع "حزب الله" أن يفعل ذلك ويقف بمفرده ضد دولة تدافع عنها وتدعمها وتغذيها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها.

هذا الكلام الواضح والخطير لم يصدر عن رئيس غربي حليف لإسرائيل بل قاله رئيس إيران مسعود بزشكيان خلال مقابلة له على محطة CNN خلال وجوده في نيويورك قبل اغتيال نصرالله بعشرة أيام، رداً على سؤال عن إمكانية نصح إيران لـ"حزب الله" بضبط النفس نظراً إلى ما لها من نفوذ كبير عليه.

منذ انتخابه تميّز بزشكيان الإصلاحي بمواقفه عن باقي قيادات النظام من المحافظين. لكن صراحته تلك كشفت الموقف الإيراني على حقيقته وأسهمت بإسقاط مصداقيته أمام العالم من حلفاء وأصدقاء وأخصام وأعداء معاً، ولا سيما أن كلامه عن "حزب الله" كشف كذلك عمق موقف دولته وعرّاه على حقيقته وهي التي تدّعي قيادة ما يُسمّى محور الممانعة والمقاومة.

وبعد كلامه الصريح خرجت بعض الأصوات السياسية والإعلامية في إيران لتقول إن كلامه جرى تشويهه، وقالت أصوات أخرى إن ما قاله يعبّر عن موقفه هو كإصلاحي لا عن موقف المحافظين الذين يمثلهم في بنية النظام المرشد وحرسه. ونسي هؤلاء أن المتكلم هو رئيس دولتهم وليس مسؤولاً عادياً، وأن السلطة هي استمرارية، وما كان بزشكيان ليجاهر بمثل هذا الكلام الصريح لو لم يكن يعلم في سره حقيقة موقف بلاده التي يقودها المرشد ويحميها حرسه الثوري. وهنا نسأل الرئيس بزشكيان بكل احترام هل فعلاً لا يريد أن يصبح لبنان غزة ثانية؟ وهل يعتقد أن "حزب الله" لا يستطيع وحده مواجهة إسرائيل؟ وهل يعتبر أن الرد على إسرائيل يجب أن يكون بعمل جماعي من الدول الاقليمية والإسلامية؟ لماذا إذن عند انتخابه رئيساً قبل عشرة أشهر لم يسأل مرشد جمهوريته وقادة حرسه لماذا طلبوا من "حزب الله" فتح "جبهة إسناد" غزة في الجنوب وتوريطه وتوريط مقاومته وشعبه وبيئته وطائفته واللبنانيين ووطنهم معه في هذه الحرب المدمرة غير المتكافئة وغير المحسوبة؟ علماً بأنه يعلم في قرارة نفسه أن جبهة الإسناد الجنوبية طلبها مرشده وقادة حرسه من "حزب الله" نيابة عن بلاده لإنقاذها من شعارها "وحدة الساحات" الذي رفعته ولم تطبقه انسجاماً مع الموقف الشهير والصريح الذي كان أعلنه مرشدها "إن لم نقاتلهم على جبهات لبنان وسوريا واليمن والعراق وفلسطين، فإننا سنضطر إلى قتالهم في شوارع طهران وأصفهان ومشهد وتبريز".

وقبل يومين من استشهاد السيد نصرالله (الجمعة ٢٧ أيلول) قال خامنئي بنفسه (الأربعاء ٢٥ أيلول ٢٠٢٤) أمام قادته وجمهرة من مواطنيه في لقاء أذيع مباشرة على وسائل الإعلام المرئية الإيرانية والعربية والدولية: إن لبنان ضحّى بنفسه في سبيل غزة. وكلامه كان أوضح من كلام رئيس جمهوريته حيث وصف المجاهدين في لبنان وغزة بأنهم يجاهدون في سبيل الله فقط فيما هم فعلياً يجاهدون واقعاً وحقيقة في سبيل استرجاع الحق المسلوب والأرض المغتصبة؟ وهنا نسأله أيضاً وبكل احترام لماذا تريد أن يضحّي لبنان بنفسه في سبيل غزة لا بلاده؟ إلا إن كان يعتبر أن الأموال والأسلحة التي قدمها من أموال مرجعيته طوال أربعين عاماً لقادة "حزب الله" ومقاتليهم وأتباعهم ومؤسساتهم وبيئتهم وطائفتهم تحتّم عليهم التضحية بأنفسهم وممتلكاتهم وأرزاقهم في سبيل حماية بلاده على طريقة "ذبح خروف العيد" بعد علفه. هل يُعقل هذا الكلام غير المسؤول الصادر عن الحاكم الأول لإيران؟ وهل من عاقل في لبنان يقبله سواء كان حليفاً أو صديقاً أو خصماً لحزب الله؟ متناسياً أنه لولا السيد حسن نصرالله ومقاومته الشريفة والبطلة ما كان لإيران أيّ قيمة إقليمية ولا أي موقع متقدم لها في المنطقة. فله وحده دون غيره يعود فضل إعطاء خامنئي مطلاً على البحر الأبيض المتوسط ووضع رجليه على شواطئ صور وجعل لإيران مقعداً لها على الطاولة الدولية لا بفضل مفاعلها النووي ولا بفضل صواريخها التي ثبت أن لا قيمة وفاعلية لها في معركة "إسناد غزة" التي اقتصرت فقط على لبنان دون غيره من دول الممانعة والمواجهة وفي طليعتها إيران.