مشكلة "السّلاح": كيف نُساعد بعضنا على الحلّ؟
الدكتور مالك أبو حمدان
أمام قرار الحكومة الأخير في ما يعني "حصر السّلاح" أو "سحب السّلاح"، هناك رأي راديكاليّ حقيقيّ – وربّما تقليديّ - بدأ يتشكّل في الجهة المقابِلة أو المعارِضة. ولا يبدو أنّ سلطتنا التّنفيذيّة الحاليّة في البلد واعية لخطورته و/أو مكترثة لها، و/أو قادرة على الاكتراث له ولها أصلاً أمام الضّغوط الخارجيّة الهائلة الممارَسة على أهمّ أركانها. مَفادُ هذا الرّأي هو باختصار: أنّه علينا اعتبار أنّنا، عمليّاً، أمام حكومة "مُعادية" - مثل حكومات عهد الرّئيس أمين الجميّل عموماً، و/أو مثل حكومة الرّئيس محمود عبّاس مثلاً، ومن وجهة النّظر هذه طبعاً – وعلينا بالتّالي التّحضير للتّعامل معها على هذا الأساس.
هل لم يزل بالإمكان أن نتجنّب هذا النّوع من التّصوّرات والسّيناريوهات، المؤذية عاجلاً أم آجلاً، ولو كنّا في عداد المواطنين الرّافضين – بعمق – لقرار الحكومة الأخير؟
أعتقد أنّه على "المثقّف" عموماً - وأضع الكلمة بين مزدوجَين بسبب الجدالات المعروفة والتي ما زالت قائمة حول المفهوم: أعتقد أنّ على المثقّف أن يحاول، حتّى آخر دقيقة من الزّمان، المساعدة على اجتناب اليوم العاصف الكارثيّ الموعود، أو المحتمل، على وطنه وأهله.
وأعتقد كذلك أنّ من بين الطّرق التي يُمكن لهذا المثقّف (أو الأكاديميّ أو المفكّر) أن يستخدمها: هي محاولة مساعدة صنّاع القرار على إيجاد الحلول والمخارج حيث أمكن. ومن خلال طريقة تُشبه – إلى حدّ ما – جانباً من منهجيّة الفيلسوف الألمانيّ النّقديّ الكبير، وأحد أركان عصر النّهضة الأوروبيّ المُنير، عمانوئيل كانط (ت. ١٨٠٤ م): سأحاول في ما يلي الإضاءة على ثلاث تناقضات – أو بالأحرى "معضلات"، لكي نكون دَقيقين – جوهريّة، في ما يخصّ "أزمة السّلاح" تلك إذن.
فإنَّ في محاولةِ عرض، ثمّ تفكيك وتحليل، المعضلات... طريقاً مُحتملاً مُجرَّباً نحو الحلول أو المخارج الجديدة، بحسب هذه النّظرة العامّة المعتمدة إذن كما أشرنا.
المعضلة الأولى: هل نسحب "السّلاح المقاوِم" أوّلاً... أي، قبل التّأكّد من انسحاب العدوّ وتطبيقه لالتزاماته، أقلّه في ما يعني اتّفاق وقف الأعمال العدائيّة أواخر السّنة الماضية؟ حقّاً وواقعاً: نحن هنا أمام معضلة. فكيف نطلب من لبنان ككلّ، ومن شريحة لها تجربة طويلة مع هذا العدوّ بشكل خاصّ، أن "يسحبا السّلاح" الذي تطلب "إسرائيل" نفسها سحبه من خلال الوسيط الأميركيّ... وذلك قبل أن تتفضّل حضرتها وتطبّق الحدّ الأدنى من التزاماتها وواجباتها؟ والمعضلة تُصبح أكثر وضوحاً إذا ما تذكّرنا اعلان توماس برّاك نفسه أمام المفاوضين اللّبنانيّين بأنّه "لا ضمانات" حقيقيّة، في ما يعني إلزام العدوّ الاسرائيليّ بأيّ شيء ملموس عمليّاً.

من هنا، لا يلزم أركان سلطتنا التّنفيذيّة، ولا يلزم قيادة جيشنا الحبيب الموكلة الآن تقديم خطّة إلى الحكومة... لا يلزمهم "آينشتاين" سياسيّ ودبلوماسيّ برأيي ليجدوا حلّاً أو مخرجاً مناسباً لهذه المعضلة. ومن الواضح بالنّسبة إليّ: أنّ عنوان حلّ هذه الأخيرة هو في اعتماد خطّة وطنيّة قائمة على "مراحل مشروطة" بتنفيذ العدوّ لتعهّداته ولالتزاماته بشكل مَلموس ومُثبت ومُوثّق من قبل الجانبَين. باختصار: لا أعتقد أنّه يُمكن الفرار هنا من اعتماد فلسفة "المرحليّة المشروطة"... هذا إذا كنّا، طبعاً، نُريد أن نتوصّل أصلاً إلى حلول ومخارج وطنيّة من جهة، ومحقّقة لحدّ أدنى من الاجماع من جهة أخرى.
المعضلة الثّانية: حقّاً، هل يُمكن أن ننادي بتطبيق حصريّة السّلاح فوراً... أي، قبل تقديم وتنفيذ خطّة جدّيّة واستراتيجيّة ومُقنعة لتسليح الجيش اللّبنانيّ؟ لن أتحدّث هنا عن "استراتيجيّة أمن وطنيّ" ولا حتّى عن "استراتيجيّة دفاع وطنيّ" – بالرّغم من اقتناعي بضرورتهما - وسأكتفي بذكر "تسليح الجيش" في هذا المقام... وبكلّ بساطة. وأقصد: التّسليح الاستراتيجيّ، والمُقنع بالحدّ الأدنى المُوصِل إلى نوع من الاجماع الوطنيّ... كما بدأت بالإشارة.
لنكن مَوضوعيّين ومُنصفين مع بعضنا البعض: هل يُمكن اشهار "حصريّة السّلاح" كحقّ واقعيّ للدّولة، من دون تقديم وتنفيذ "بديل" حقيقيّ؟ وهل منّا من سمع أو قرأ عن بنود وتفاصيل ومراحل هذا البَديل المُبين... خصوصاً منذ بداية العهد الرّئاسيّ الحاليّ؟
من هنا، أتصوّر كذلك أنّ حكومتنا وجيشنا لا يلزمهما "آينشتاين" آخر لكي يصلا إلى صيغة توفّق بين التّطبيق التّدريجيّ والمرحليّ إذن "لحصريّة السّلاح" من جهة، وبين التّقديم والتّطبيق التّدريجيّ أيضاً لخطّة جديدة جذريّة لتسليح الجيش اللّبنانيّ. قد يقول قائل: إنّ هذه مقاربات تحتاج إلى صبر وإلى جرأة في التّعامل مع الضّغوطات الخارجيّة. وهذا كلام صحيح، ولكنّني لست أعرف مقاربات بسيطة وسهلة مُمكنة في الغالب... في ما يخصّ بناء السّيادة والاستقلال والأوطان، وفي ما يعني مواجهة الأخطار الوجوديّة.
المعضلة الثّالثة: وقد تكون الأكثر حساسيّة في جوانب متعدّدة، ومع ذلك، الأكثر عرضةً للدّفن في سرّ النّفوس، وفي الوعي واللّا-وعي الجماعيَّين. باختصار أيضاً، كيف نطلب سحب سلاحٍ مُرتبط إلى حدّ بعيد، شئنا أم أبينا، بمكوّن مُعيّن في لبنان وفي المنطقة، بينما: (١) يكثر التّهديد الدّوليّ والاقليميّ – بشكل متسارع لم أكن أتوقّعه شخصيّاً وبصراحة - بتهجير جماعيّ جنوب اللّيطانيّ وبحلول تُشبه حلول غزّة عموماً؛ (٢) تتصاعد التّوتّرات الإثنيّة والطّائفيّة والمذهبيّة في سوريا وفي المنطقة، لا سيّما في ضوء اعتبار عدد من مكوّنات سوريا تحديداً أنّها قد تعرّضت وتتعرّض لتعدّيات فظيعة.
هذه مُعضلة أساسيّة أيضاً، وهي تتلاقى في المفاتيح والمخارج مع المعضلَتَين السّابقَتَين في واقع الأمور: فمن الواضح أنّ أيّ خطّة لحلّ موضوع "السّلاح" لا بُدّ وأن تحتوي، في اعتقادي، على مرحليّة مدروسة كما رأينا من جهة؛ وعلى استراتيجيّة واضحة في ما يعني تعزيز قدرات جيشنا الوطنيّ وأجهزتنا الأمنيّة من جهة ثانية. القيام بالأمر، ولو عن غير قصد، بطريقة توحي وكأنّنا نُسلّم مُكوّناً أساسيّاً في لبنان وفي المنطقة إلى مخاطر التّهجير والتّقتيل... خطيئة كبرى، أرجو أن نتنبّه جميعاً إليها.
في الخلاصة، يُمكن لأركان سلطتنا التّنفيذيّة الحاليّين أن يتحجّجوا بضغط فُلان وبضغط فُلان بن فُلان. ويُمكن لبعضهم أن يعتبر بأنّ الأولويّة هي في الاقتصاص من جهة مُعيّنة في البلد، وربّما من مُكوّن مُعيّن في البلد وفي المنطقة. ولكن، إن أرادوا الوصول إلى حلول وإلى مخارج وطنيّة وعقلانيّة وبعيدة الأمد، فعليهم القبول بكلمات مفتاحيّة جوهريّة مثل: المرحليّة المشروطة والمدروسة؛ التّسليح الاستراتيجيّ المتجدّد للجيش الوطنيّ؛ الضّمانات الملموسة والمقنعة لبعض المكوّنات؛ استراتيجيّتَي الأمن والدّفاع الوَطنيَّين.
نبض