علي الصراف
المجزرة الوحشية التي نفذتها إسرائيل في غزة، تقول إن الحرب، لم تنته بعد. لقد بدأت للتو. إنما على أسئلة أخرى.
والأسئلة الحائرة، وسط الخيارات المريرة، سوف تعثر على جواب. فحتى ولو تراجع دوي القصف، فإنه سوف يظل حيا ومسموعاً في أذهان نحو مليون طفل عاشوا بالجوع والبرد واليُتم والحرمان. وهؤلاء هم جيش الحرب المقبلة.
الحقد والكراهية العنصرية الإسرائيلية أوقعا مليوني إنسان في هوة سحيقة من الألم والمرارة، وهما ذخيرة حية لتلك الحرب.
بتسلئيل سموتريش وإيتمار بن غفير إنما ظلا يدافعان عن حرب إبادة شاملة. وهما ليسا شخصيتين معزولتين لا في حكومة بنيامين نتنياهو ولا في المجتمع الإسرائيلي. وما يريدانه هو ما سوف يحصل في النهاية، لأنها هي "الواقعية" الوحيدة المتاحة. وهي "الواقع" الوحيد الذي يتعين على الفلسطينيين أن يقبلوه، ويتصرفوا وفقا لمعاييره.
إنه واقع همجي، لواقعية همجية. لكنها هي الخيار الذي على ضوئه تتقدر المقادير وتتقرر الأقدار.
حرب الإبادة الجماعية جارية أصلاً. والاحقاد العنصرية التي تقف وراء أعمال القتل اليومي، تحظى بتأييد 99 بالمئة من الإسرائيليين. هذا هو الواقع.
أنظر، ليس في تصريحات قادة الحكومة، وإنما في تصريحات قادة المعارضة عندما يتعلق الأمر بقصف هذا، ودمار ذاك، والانتقام من ذلك، وسترى أنه لا يوجد على طاولة الطعام في إسرائيل إلا المزيد من جثث الأعداء.
والكل محشور في بيئة الوحشية هذه. لا دول الجوار تقبل باستيعاب سبعة ملايين فلسطيني، لوقف المجرزة ضدهم، ولا الدول الأوروبية التي جاء منها يهود المشروع الصهيوني، تقبل باستيعاب السبعة ملايين منهم.
بيئة القتل اليومي وهمجية الانتقام التي يمارسها الاحتلال تخلق وضعا لا سبيل الى الفرار منه. الاسرائيليون لا يريدون حل الدولة الواحدة. كما أنهم لا يريدون حل الدولتين. ويعتبرون أي تنازل للفلسطينيين، وأي تضامن خارجي معهم، تهديدا وجودياً لهم. ولهذا السبب فانهم يتصرفون في المذبحة انطلاقا من فكرة أنهم لا يملكون حلاً آخر.
وهذا صحيح عندما تقف على ناصية القناعة الإسرائيلية القائلة إن الوجود الفلسطيني المجرد، هو بحد ذاته تهديد وجودي يتعين سحقه وإذلاله وكتم كل صوت يخرج منه للمطالبة بأي حق. حتى الهواء سوف يتعين أن تُدفع عنه ضريبة لانه هواء يهودي. سوف يتم العثور على نص توراتي يؤكد ذلك. وهذا ما سوف يُملي على الطرف الآخر الاستعداد لخوض حرب إبادة شاملة. ليس لأنها خيار مرغوب به، بل لأنه لا يوجد خيار غيره.
الانقسام الفلسطيني نفسه سوف يتبدل. من ناحية لأن النزاع على السلطة قد سقط. ومن ناحية أخرى، لأن السجال حول نوع الحل، سقط أيضا. وكل ما بقي هو سؤال وجودي واحد: نحن أم هم؟ و"هم" يقترحون إبادة شاملة. والانقسام الفلسطيني سوف يدور حول ما إذا كان الذل والانسحاق الشاملان هما "الواقعية السياسية" الجديدة، أم الاستعداد لطوفان أقصى جديد، للرد على حرب الإبادة بإبادة مضادة.
وجود إسرائيل رهن بقوتها. رهنٌ بقدرتها على فرض أعمال إبادة ضد الذين يشكلون أي نوع من أنواع التهديد لها.
إسرائيل لم تعد تخوض حروبا تقليدية. الحرب الوحيدة الممكنة هي هدم المنازل وتدمير البنية التحتية وقصف المستشفيات والمدارس والجامعات وحرمان المحاصرين من الماء والغذاء والكهرباء وكل شكل آخر من مقومات الحياة. هذه هي نظرية الحرب الجديدة التي تم تنفيذها على غزة، وجزئياً على لبنان حتى أجبرت "المقاومة" هناك على الاستسلام لشروطها لوقف المذبحة.
إنها حرب إبادة تُفرض بالقوة التي تشكل عنوان الوجود الإسرائيلي الوحيد.
وهذه القوة قادرة على أن تفرض شروطها. ونسغ الحقد الوجودي الذي يسقي قدرتها على البطش بالجثث يجعل من المستحيل خوض أي مفاوضات للحصول على أي حق بالوجود لصالح الطرف الآخر. الفلسطينيون في نظر إسرائيل، ليسوا سوى جثث لا تستحق حتى الدفن. فترمى للكلاب الضالة.
هذا خيار وجودي. يصعب، من ناحية المنطق، أن يُقابل بأسلحة تقليدية.
لا حاجة لأي مخادعات. ولا حاجة الى "تجريب المجرب" الذي أضاع أربعة عقود من الزمن، حتى وجد الغزيون أنفسهم أمام خيار واحد لكسر أسوار السجن، في طوفان الأقصى. فلما كسروه، جاءتهم المجزرة.
ما حصل هو أن طوفان الأقصى كسر الموازين العسكرية، فكسرت إسرائيل موازين القيم والقوانين والأعراف. حتى صارت حرب الإبادة الجماعية هي العرض الوحيد المطروح لانهاء النزاع. ولا يملك الفلسطينيون خياراً سوى أن يقبلوا به ليكون هو خيارهم الوحيد أيضاً، أو لينقسموا من حوله.
مؤسف هذا الواقع. مثلما هي مؤسفة كل الحروب البشعة التي عرفها تاريخ البشرية. ولكن ما العمل إذا كانت هي خيارك الوحيد؟
الوقت سوف يوفر لأطفال غزة، ولجيل الإبادة الجماعية، أن يتعلم الدروس، لخوض المعركة وفقا للخيار الذي يعتبره 99 بالمئة من الإسرائيليين هو الخيار الصحيح. وذلك لأجل حربٍ تُخاض على قدر معقول من المساواة.
الوقت والآلام وصدى القصف ومرأى الجثث، سوف تكفل لأولئك الأطفال الجواب على الأسئلة الحائرة.
نبض