السلام مع إسرائيل: جهوزية سورية ومتاهة لبنانية!

كتاب النهار 30-06-2025 | 21:23
السلام مع إسرائيل: جهوزية سورية ومتاهة لبنانية!

الرهان الأميركي هو في إيصال بيئة "حزب الله" إلى مرحلة الاقتناع بأنّ أمانها في إقامة الدولة اللبنانية السلام مع إسرائيل، إن لم يكن بوقت متزامن مع سوريا، فعلى الأقل في مرحلة قريبة لاحقة...

السلام مع إسرائيل: جهوزية سورية ومتاهة لبنانية!
إخراج الشرع لسوريا من "محور الممانعة" أخرجها أيضاً من محور الشعارات الرنّانة! (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم يعد من الممكن التشكيك في نية الرئيس السوري الموقّت أحمد الشرع عقد اتفاق سلام مع إسرائيل. كل المصادر تتقاطع في اتجاه تأكيد هذا المنحى.

وهذا الحسم يعتبر منطقياً، فمن لا يملك القدرة على حرب متكافئة، ويستبعد حصوله على "العدة" اللازمة لذلك، ولمدة زمنية طويلة، فمن الحكمة أن يسعى إلى السلام، لأنّ تكلفة العداوة مرتفعة للغاية، وتفترض توافر عناصر القوة المالية والسياسية والديبلوماسية والعسكرية والتكنولوجية.

وقد بيّنت حروب ما بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر التي خاضتها إسرائيل، أنّ الحرب خرجت من نطاقها الكلاسيكي القديم ودخلت في عصر علمي لم يُحسن أعداؤها اللحاق بركبه. إسرائيل انخرطت في تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، فيما أعداؤها، بقوا عالقين في شعاراتهم وعقائدهم وانتصاراتهم المبنية حصراً على صمود "أنظمتهم" المهترئة، والفاسدة، والقمعية، والديكتاتورية، والاعتقالية والاغتيالية!

ومن البديهي أن يأخذ الشرع راحته في الإفصاح عن توجهاته السلمية، فهو يحالف دولاً تقيم علاقات، إما مباشرة أو غير مباشرة مع إسرائيل، كما هي حال تركيا وقطر، ويخطب ود دول لا تعادي فكرة السلام مع إسرائيل كالمملكة العربية السعودية ويسهر على تحسين علاقاته مع دول "إبراهيمية" مثل الإمارات العربية المتحدة والبحرين!

وهكذا، فإنّ إخراج الشرع لسوريا من "محور الممانعة" أخرجها أيضاً من محور الشعارات الرنّانة!

والطريق سبق أن مهّده النظام السوري الساقط. إذ خاض حافظ الأسد وبعده ابنه بشار مفاوضات غير مباشرة كثيرة مع إسرائيل، ولكنهما بفعل انتمائهما إلى "محور الشعارات" كانا يتراجعان، في الوقت الحاسم، عن التوقيع، ما تسبب بهدر فرص كانت استثنائية لسوريا وشعبها!

ولكنّ المبعوث الأميركي توم براك، لم يعد يكتفي بتقريب سوريا من إسرائيل، بل يريد ضمّ لبنان إلى هذه الجهود.

الملف اللبناني يبدو أكثر تعقيداً من الملف السوري، فتكوين السلطة في "بلاد الأرز" مختلف جذرياً عن تكوينها السوري. في دمشق سلطة تتمركز، إلى حد كبير، بيد الشرع فيما معظم المكونات التي خاصمته عند وصوله إلى السلطة، لا تجد غضاضة في إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل!

في لبنان يختلف الوضع، فـ"محور الشعارات" هو جزء لا يتجزأ من السلطة اللبنانية، ولا يمكن تجاوزه بسهولة، وليس أدل على ذلك عجز رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ومعظم مكونات الحكومة عن التقدم خطوة نوعية في اتجاه ما هو متفق عليه في تفاهم وقف إطلاق النار مع إسرائيل، أي تفكيك البنية العسكرية لـ"حزب الله" بدءاً بجنوب نهر الليطاني وفق نص الاتفاق الذي تمّ التوصل إليه بوساطة أميركية في السادس والعشرين من تشرين الثاني /نوفمبر الأخير.

ولكنّ نقطة القوة في الهدف الأميركي ضم لبنان إلى سوريا في المسعى إلى السلام مع إسرائيل، يكمن في استحالة التوصل إلى هدوء حقيقي على الجبهة اللبنانية - الإسرائيلية من دون اتفاق يتخطى موضوع "وقف العمليات العدائية" ليصل إلى تفاهمات سياسية تضمن الهدوء الدائم على هذه الحدود.

حتى تاريخه، رفض لبنان مقترحات أميركية بإنشاء لجان تفاوضية مع إسرائيل تضم ديبلوماسيين وسياسيين، وأصر على إبقاء هذه اللجان حكراً على العسكريين، الأمر الذي رفضته الولايات المتحدة الأميركية قبل إسرائيل، على اعتبار أنّ ذلك يمكنه أن يوفر هدنة موقّتة وليس سلاماً دائماً!

ولأنّ لبنان لا يزال مصراً على هذا الموقف، فإنّ إسرائيل، وبغطاء أميركي لا لبس فيه، تواصل عملياتها العسكرية ضد "حزب الله" وتمنع "بيئته الحاضنة" من العودة الآمنة إلى قرى "الحافة الأمامية" وتبقيها مستنفرة أينما كانت على امتداد الجغرافيا اللبنانية، وسط دمار طال زمنه وكثرت خسائره وتتابعت كوارثه!

وعلى الرغم من التهويل المتكرر للأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم، فإنّ إسرائيل قبل غيرها، تدرك أنّ حزبه بات أعجز من العودة إلى الحرب، فما تبقى له من سلاح "غير مكتشف" يصلح أن يكون مقدمة لإعادة التسلح ولكنّه يفتقد إلى القيمة الحربية في هذه المرحلة!

ولذلك، فإنّ الرهان الأميركي هو في إيصال بيئة "حزب الله" إلى مرحلة الاقتناع بأنّ أمانها في إقامة الدولة اللبنانية السلام مع إسرائيل، إن لم يكن بوقت متزامن مع سوريا، فعلى الأقل في مرحلة قريبة لاحقة، لأنّه في هذه الحالة، فإنّ العداء لإسرائيل يجب أن ينتقل إلى السياسة والثقافة ويستحيل أن يبقى عسكرياً، لأنّ صلة الوصل مع إيران، إن بقي نظامها، ستنقطع إلى الأبد!