زمام المبادرة في الحرب

كتاب النهار 17-06-2025 | 13:03
زمام المبادرة في الحرب

في الحرب، كما في الحياة، من يتقن المبادرة لا يبادر بالتحرّك فحسب، بل يتقدّم على الآخرين، أي أن يكون التحرّك سليماً من حيث التوجّه والاتجاه.

زمام المبادرة في الحرب
المبادرة في الحرب تُخاطر بأن تُصبح التهديد ذاته الذي تدّعي الدول استباق حدوثه.(أ ف ب)
Smaller Bigger

في الحروب، واقعاً وتاريخاً، لطالما شكّلت مسألة المبادرة - من يضرب أولاً، ومن يفرض إرادته، ومن يُحدّد الإيقاع - جوهر الاستراتيجية، ومن خلالها يتشكلّ النصيب الأكبر من النصر. لكن أخذ زمام المبادرة في الحرب لا يعني مجرد المبادرة بالهجوم، بل هو فهم للوقت والإرادة والإدراك، أي معرفة متى يكون الفعل ضرورياً، ومتى يكون التقاعس هو الاستراتيجية الأمثل. ففي الحرب، كما في الحياة، من يتقن المبادرة لا يبادر بالتحرك فحسب، بل يتقدم على الآخرين، أي أن يكون التحرك سليماً من حيث التوجه والاتجاه.

قديماً أدرك الاستراتيجي الصيني العظيم، صن تزو، مركزية المبادرة، بوصفها ليست عدواناً وحشياً، بل فن تهيئة الظروف المواتية، حيث تكمن عبقرية القائد في كسر مقاومة العدو دون قتال. إذن، تكمن المبادرة في القدرة على تشكيل ساحة المعركة حتى قبل أن تبدأ. ويمكن تحقيق ذلك من خلال الخداع، والمرونة، والتجسّس، والتلاعب بالإدراكات. فالمرء لا يتصرف للهيمنة، بل لحثّ الخصم على التصرّف بطريقة متوقعة، وبشكل قاتل. في المقابل يُولي المُنظّر البروسي، كارل فون كلاوزفيتز، اهتماماً أكبر للطبيعة الجدلية للحرب؛ فالحرب بالنسبة إليه استمرارٌ للسياسة بوسائل أخرى، أما المبادرة فلا تنبثق من الدهاء وحده، بل من هدف سياسي واضح، وإرادة السعي لتحقيقه من خلال تسليح الصراع. فالمبادرة لا تكون ذات معنى إلا عندما تتوافق مع العقلانية السياسية الأوسع، وتتقبل الطبيعة الفوضوية المتبادلة للصراع المسلح.

يبدو تصوّر صن تزو للمبادرة ليّناً ومرناً، متجذراً في الفلسفة الطاوية. فكما يُشكّل الماء مجراه بالتكيف مع التضاريس، يجب على القائد العبقري أن يُميّز اللحظة المناسبة، والفراغ في تشكيل العدوّ، والتناقض الداخلي في خطته. في المقابل، يرى كلاوزفيتز المبادرة جزءاً من حركة جدلية بين الهجوم والدفاع، بين الإرادة والمقاومة. قد يحتفظ الهجوم بالمبادرة في البداية، لكن الإفراط في التوسع غالباً ما يعيد الأسبقية للمدافع.