.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ليس من قبيل المصادفة أن الباحثين باتوا يقترحون تسمية لهذه الظاهرة الجديدة، والتي يتقمص خلالها المشاهدون ما تبثه شاشاتهم: المرض الجماعي الناجم عن وسائل التواصل الاجتماعي. يا له من وصف مرعب!
أتذكر حين تعرّفت أنا وأعز صديقاتي للمرة الأولى على "متلازمة توريت"، وهو اضطراب عصبي يدفع المصاب للقيام بحركات وتشنجات وأصوات لا إرادية متكررة. التفتنا نحو بعضنا بعضاً - وكنا على الأرجح متسمرات أمام "أوبرا وينفري" - وتساءلنا: كيف لم يسبق لنا الالتقاء بأي مصاب بهذه المتلازمة طوال سنواتنا الـ13 على الكوكب؟
وبدا الجواب بديهياً حينها؛ فقد يكون ثمة مصاب بـ"توريت" في المنزل الملاصق لنا، ولكنه - كما كان شائعاً آنذاك - مخفي قسراً عن المجتمع.
وللحق، لقد تغيّر الكثير منذ ذلك الوقت في النظرة العامة للمصابين بالإعاقات والاضطرابات النفسية والعصبية والأمراض المزمنة، حتى أصبح ثمة من يظهرون بأسمائهم وصورهم ووجوههم لنشر الوعي، والتعريف بحالاتهم، وتبيان تعايشهم اليومي مع تحدياتهم وآلامهم.
ولكن للأسف، لم تتوقف وسائل التواصل الاجتماعي عند ذلك الحد الصحي والمحمود. دعوني أشرح.
إن العملة الأنفس في عصرنا الحالي هي المظلومية، ما يجعل الأشخاص يستميتون للانتماء لأكبر عدد من الفئات المهمشة والمضطهدة و"المغضوب عليها"، سواء عبر جندرهم، أو ألوان بشراتهم، أو أديانهم، أو طبقاتهم الاجتماعية، أو ميولهم الجنسية أو غيرها.
وبطبيعة الحال، فللإعاقات والأمراض والاضطرابات النفسية والعصيبة نصيبها من حمى المظلومية، فأصبحت إصابة المرء - مثلاً - باضطراب ثنائي القطب، أو بالشيزوفرينيا، مدعاة للتميز والتفاخر وعلو الكعب، وسبيلاً لجمع "النقاط" في سباق المظلومية الافتراضي هذا.
ومثلما يتأثر أطفالكم بمظاهر الاستعراض المادي والاستهلاكية المفرطة في وسائل التواصل الاجتماعي، فثقوا بأنهم يتأثرون كذلك بمن "يدلدلون" أمامهم الأمراض والمتلازمات والاضطرابات، ويثبتون لهم ارتفاع ثمنها بعملة المظلومية الصعبة. ومن يتكلف منكم عناء التقرّب من المراهقين من حوله، ومخاطبتهم بانفتاح وتجرد، فسيلاحظ كم من هؤلاء من باتوا يشخصون أنفسهم بأنفسهم بانفصام الشخصية أو بالوسواس القهري أو بمتلازمة "آسبيرجرز"، واعتبار التشخيص دلالة إلى التفرد، وميزة يُتباهى بها.
ولئلا تعتقدوا بأني أبالغ، فإليكم ما اكتشفته "العيادة الدنماركية الوطنية لمتلازمة توريت" في جامعة هيرليف الدنماركية.
كان قد زار العيادة 28 مراهقاً بين أيار/ مايو 2020 وحزيران/ يونيو 2021، بمتوسط أعمار لا يزيد عن 14.4 سنة، وبغالبية تبلغ 69% تشكو من تشنجات وحركات وأصوات لا إرادية مؤذية، مثل ضرب الذات، أو شتم الآخرين.
تبين للباحثين بأن 96% من العينة كانت تستهلك محتوىً متعلقاً بـ"متلازمة توريت" من خلال تطبيقات التواصل الاجتماعي. وحينها، عثر الباحثون على ما وصفوه بـ"التشابه الصارخ" بين التشنجات والحركات والأصوات اللإرادية التي يأتي بها مرضاهم المراهقون وتلك المنتشرة في "تيك توك" و"إنستغرام"، والتي يتسم بعضها أصلاً بالمبالغة الفاضحة، والتصنّع، إما بهدف لفت الانتباه، أو إثارة الشفقة، أو حتى الإضحاك.
ليس من قبيل المصادفة إذاً أن الباحثين باتوا يقترحون تسمية لهذه الظاهرة الجديدة، والتي يتقمص خلالها المشاهدون ما تبثه شاشاتهم: المرض الجماعي الناجم عن وسائل التواصل الاجتماعي. يا له من وصف مرعب!
فماذا نحن فاعلون؟