لم تُحسن إيران الإسلامية إدارة رأسمالها اللبناني والسوري والعراقي واليمني!
أخطأت إيران بسوء إدارتها "الرأسمال اللبناني والعربي" في المنطقة والعالم، والذي كوّنته بواسطة "حزب الله" وحركتي "حماس" و"الجهاد" الفلسطينيتين وحوثيي اليمن و"الحشد الشعبي" وحلفائه في العراق، كما بواسطة إسلاميين متشدّدين في العالم السنّي غير العربي ودول أجنبية صغيرة معادية للولايات المتحدة في العالم، ذلك أنها أثارت مخاوف العالم العربي بمعظم دوله وحفيظة العالم السنّي غير العربي، ودفعت زعيمة العالم الغربي بمعظم دوله إلى شيء من القلق وإلى كثير من التحوّط لتلافي وصولها إلى مرتبة الدولة الإقليمية العظمى مثل إسرائيل، وتحوّلها خطراً ثابتاً وأكيداً عليها كما على الأخيرة. لكن هذه المخاوف زالت في الامتحان الذي عرّضت نفسها له إيران الإسلامية بإقدام حليفتها الفلسطينية الأكبر "حماس" على تنفيذ عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر 2023، وبإقدام درّة تاجها وابنها المدلّل "حزب الله" اللبناني على دخول حرب وإن "معيّرة" مع إسرائيل في اليوم التالي، أي 8 أكتوبر.
ربما تكون إيران ظنّت أن المجد الذي كوّنه "الحزب" بعد اشتراكه معها وممثلاً لها في حرب سوريا ونجاحه في القضاء على الثورة الشعبية الديموقراطية فيها على نظام الأسد الحاكمها منذ 1970، ربما ظنّت أنه سيكوّن مجداً مثله في مواجهة إسرائيل. ولكن طغى الشعور بامتلاك إيران القوة وقبلها الإرادة والعزيمة لتحقيق انتصار على إسرائيل في فلسطين ولبنان. وبعدما أدركت واشنطن وتل أبيب أن السكوت عن ذلك سيكون مؤذياً جداً لهما، بدأتا اختبارها وامتحان قدراتها العسكرية الفعلية بعدما كانت أقنعت نفسها ثم العالم بأنها صارت قوة إقليمية عظمى وعلى أهبة التحوّل دولةً نووية. كان الاختبار أو الامتحان في غير مصلحتها. إذ دُمّر 80 إلى 90 في المئة من غزة ووُجهت ضربة قوية وكبيرة لـ"حزب الله" في لبنان ولكن غير قاضية.
والواقع أن ظروف إسرائيل وظروف العالم لا تسمح لها باجتياحه من جنوبه إلى شماله والقضاء أو محاولة القضاء على "حزب الله" الذي أقلقها منذ تحرير الـ2000 وانتصار الـ2006 وحرب إسناد الـ2023، ثم حرب محاولة القضاء على "حزب الله" باغتيالات فردية وجماعية تستند إلى معلومات استخبارية دقيقة.
طبعاً أزال ذلك خوف جيرانها العرب منها، لكنهم بقوا بعيدين من الاطمئنان، لأن ترسانتها، رغم خسارتها مع إٍسرائيل، أي إيران المسنودة من واشنطن، أقوى من ترساناتهم، وشعبها أكبر وخبراته القتالية تنوّعت منذ قيام ثورة الإمام الخميني فيها وتأسيسه جمهوريتها الإسلامية ذات الطموح الأكبر، وهو التحوّل قطباً أعظم في العالم الإسلامي بعربه وغير العرب.
ما حصل بعد ذلك في لبنان معروف، وهو تلقي "حزب الله" ضربة إسرائيلية قاسية جداً وإن غير قاضية، واضطراره إلى الموافقة على تنفيذ القرار 1701 الذي أصدره مجلس الأمن عام 2006، والقاضي بنزع السلاح اللبناني غير الشرعي من المنطقة الواقعة بين نهر الليطاني في الجنوب والحدود الإسرائيلية. وكان قد سعى جاهداً إليه في ذلك العالم لأنه كاد أن يصل إلى حال إنهاك كبير بعد منعه جيش إسرائيل من احتلال أي منطقة من جنوب لبنان خلال 30 أو 33 يوماً. فهل يكرّر بعد الحرب الأخيرة ما فعله بعد الحرب المشار إليها أعلاه، وهو قبول انتشار الجيش اللبناني وقوة "اليونيفيل" جنوب الليطاني حتى الحدود مع إسرائيل شكلاً، واستمراره قوة عسكرية يتطوّر تسلّحها باستمرار، وتمتلك حرية التحرّك والتصرّف بغطاء غير موجود أو وهمي هو شعار "الجيش والشعب والمقاومة"؟ وهل ينجح في ذلك مرةً ثانية؟
لا يمكن إعطاء جواب نهائي وجازم عن ذلك، لكن المتوافر من معطيات عن حال مؤسِّسته إيران الإسلامية وعن قدرة إسرائيل البالغة التفوّق جرّاء الرعاية المباشرة لها من الولايات المتحدة وعن خسارتها سوريا وبدء دولة العراق التقرّب مجدداً من أميركا وإعلانها حاجتها إلى استمرار الوجود العسكري الأميركي على أراضيها، لا توحي كلها بأن العودة إلى المجد السابق أو الاحتفاظ به كما في 2006 محتملان أو ممكنان.
في نهاية هذه السلسلة من "الموقف هذا النهار" يبقى "ما الحل؟" سؤالاً مطروحاً. الجواب عنه بتفاصيل ليس ممكنا. لكن لا يمكن التوصل إليه من دون الروية والهدوء عند الجميع، ومن دون عقد مؤتمر وطني لبناني وجعله دائماً مهمته البحث بجدية في أسلم الوسائل لإلغاء الطائفية والمذهبية لا الدين والطوائف والمذاهب، ولا يمكن إبقاء النسيان حاجباً اتفاق الطائف وكونه أساساً صالحاً لبناء دولة سليمة ووطنية ومدنية في لبنان، علماً أن المهم فيه لم يُطبّق. ومَن كُلّفوا مساعدة اللبنانيين على تطبيقه تعمّدوا الفشل في ذلك، وفي مقدمهم سوريا الأسد الأب ثم الابن، وذلك كله لا يمكن تحقيقه إلا إذا نجح اللبنانيون أو معظمهم في إعادة العالم العربي إلى الاهتمام بهم ومعه المجتمع الدولي. يقتضي ذلك تواضعاً من اللبنانيين الذين يظنون أنهم أفضل من غيرهم بكثير. علماً أنهم كان يمكن أن يكونوا كذلك ولا يزال في إمكانهم أن يفعلوا، إذا استيقظوا من عنفوان كاذب ومن اقتناع بأنهم في حالهم الراهنة أفضل من غيرهم. وتتساوى بذلك شعوب لبنان كلها رغم الكثير الذي يفرّقها.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
هل كان التعثر المالي وراء وفاته؟
نبض