.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
الديبلوماسية الجزائرية المكلفة بالعلاقات الخارجية ما فتئت تتعامل مع الملفات بأسلوب "انتقائي" وظرفي.
تميز المشهد السياسي والديبلوماسي الجزائري، بدءاً من يوم 10 لغاية يوم 15 من هذا الشهر الجاري، بحراك متعدد نحو أفريقيا. وتتمثل تفاصيل هذا الحراك في عدة نشاطات وفي مقدمتها زيارة رئيس جمهورية جنوب أفريقيا للجزائر، والتصريح الذي ورد في الكلمة التي ألقاها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، خلال زيارته الأخيرة لدولة موريتانيا، حيث أكد من هناك أن الجزائر "تستقبل 6 آلاف طالب أفريقي" وهي سوف ترفع هذا العدد إلى "65 ألف شاب أفريقي" إضافي في المستقبل المنظور.
إلى جانب ما تقدم فقد ذكر الرئيس تبون أن الجزائر ما فتئت "تعمل على بناء وتأهيل المدارس في القارة الأفريقية" وفضلاً عن ذلك فإنها "تحتضن معهد الاتحاد الأفريقي لعلوم المياه والطاقة والتغيرات المناخية".
وفي هذه الفترة المذكورة أعلاه اتخذت الديبلوماسية الجزائرية قرار ترشيح سلمى مليكة حدادي، سفيرة الجزائر لدى أثيوبيا والاتحاد الأفريقي، لخوض المنافسة على منصب نائب رئيس المفوضية الأفريقية وذلك في الانتخابات المبرمجة في القمة الأفريقية خلال شهر شباط (فبراير) المقبل.
ولقد تم دعم كل هذه التحركات بالزيارات الرسمية التي قام بها في هذه الفترة نفسها المبعوث الخاص للرئيس تبون، وهو وزير الدولة أحمد عطاف وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الأفريقي، إلى عدد من الدول الأفريقية وهي بوروندي وأوغندا وأنغولا واستقبل من طرف رؤساء هذه الدول وسلم لهم رسائل الرئيس الجزائري كما أجرى معهم محادثات رسمية لم يكشف بعد عن تفاصيل مضامينها، وعلاوة على ذلك فقد وقع وزير الدولة الجزائري مع نظرائه في هذه الدول المذكورة على عدد من الاتفاقيات لم يعلن بعد أيضاً عن محتوياتها ومتى تنفذ وكيف؟
بشأن هذا التدافع الرسمي الجزائري نحو أفريقيا يتساءل خبراء جزائريون متخصصون في العلاقات الجزائرية الأفريقية: هل تكفي هذه التحركات الرسمية ذات الطابع الديبلوماسي والتعليمي لربط الجزائر بالعمق الأفريقي بشكل عضوي في كل المجالات؟ ثم لماذا تعتمد الجزائر على جهاز وزارة الخارجية فقط ولم تقم حتى الآن بالاستعانة بما يدعى "فرق التفكير" ذات الخبرة في الشؤون الأفريقية، بالشخصيات التاريخية، وبالتنظيمات المدنية مثل المنظمات الجماهيرية والمؤسسات والروابط الثقافية والمنابر الإعلامية بكل أنواعها المكتوبة والمسموعة والمرئية، علماً أن تاريخ التحرر الوطني الجزائري قد قدم نموذجاً مثالياً لما ينبغي أن تكون عليه الديبلوماسية حيث تم في عام، مثلاً، ضم المجاهدة الجزائرية ونجمة الكفاح الوطني جميلة بوحيرد إلى الوفد الجزائري الذي شارك في المؤتمر الأفريقي الذي انعقد في عام 1958 بأكرا عاصمة غانا، وياللمفارقة فإن هذه المجاهدة لا تزال حية ترزق ولم تستثمر علاقاتها بأفريقيا راهناً.
في هذا الخصوص يرى هؤلاء الخبراء الاستراتيجيون أن اعتماد الرئاسة الجزائرية، ومعها وزارة الشؤون الخارجية، على الهياكل الرسمية فقط، لا يمكن أن يحقق للجزائر مشروع خلق "لفيف أفريقي" ما بعد كولونيالي جديد مؤسس على استراتيجيات فك الارتباط السلمي ضمن أطر قانونية دولية بالمراكز الغربية التي تصر على الاستمرار في إعادة انتاج الهيمنة التقليدية القديمة ثقافياً واقتصادياً وعسكرياً على مقدرات القارة السمراء.
ينبغي التذكير هنا بأن "اللفيف الأفريقي" القديم الذي "تمت المصادقة المبدئية عليه" في عام 1958 بعاصمة غانا أكرا قد كان تكتلاً ذا عمق شعبي فضلاً عن برنامج عمل، وبذلك قد كان بمثابة "الجواب الملموس الذي قدمته الشعوب الأفريقية للرد على محاولات المعمرين الأوروبيين تأبيد سيطرتهم" حسب تعبير المفكر فرانز فانون الذي أرخ لهذا الحدث التاريخي المهم.
وفي الحقيقة فإن الديبلوماسية الجزائرية المكلفة بالعلاقات الخارجية ما فتئت تتعامل مع الملفات بأسلوب "انتقائي" وظرفي. وفي هذا الخصوص ينبغي الإشارة بسرعة إلى وجود اقتراحات كثيرة في الميثاق الوطني وفي ملفات الدولة الخاصة بالإعلام والثقافة والاقتصاد والأمن، وهي كلها تولي أفريقيا اهتماماً مركزياً وهي تحتاج فقط إلى التحيين والتطبيق في هذا الظرف الذي يتميز بالتوترات في الساحل الأفريقي وببعض المشكلات التي تطفو في منطقة شمال أفريقيا.
وفي الواقع فإن الجزائر في حاجة إلى المساهمة في إعادة ترتيب بيت الاتحاد المغاربي بما يفضي إلى إصلاحه لكي يكون كتلة قوية وموحدة تمكن من فتح الحوار الحقيقي مع بقية الدول الأفريقية حول مشروع التكامل الشامل.