القوة والسلام في صراع وجودي: معركة المصير بين إسرائيل وإيران
الخوري ريمون أبي تامر *
حين صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قائلاً: "القوة أولاً، ثم يأتي السلام"، لم يكن يُلقي مجرّد خطاب تعبوي، بل كان يعبّر عن منطق سياسي راسخ يشكّل الإطار العام للصراع المباشر بين إسرائيل وإيران. التدخل الأميركي الأخير، تحت عنوان "منع التصعيد"، جاء ليثبّت هذا المنطق أكثر: أن السلام لا يُمنح، بل يُفرض؛ وأن التوازن لا يُبنى على الحوار، بل على الردع. في هذا السياق، لا تعود الحرب حدثًا استثنائيًا، بل تصبح أفقًا دائمًا.
لكن، هل يُمكن فعلاً بناء سلامٍ قابل للاستمرار على مبدأ "القوة أولاً"؟ أم أن منطق الردع يُعيد إنتاج العنف ويُعمّق الجراح؟ في هذا المقال، نسعى إلى مساءلة منطق القوة من منظور فلسفي-سياسي، نقدي وتاريخي، وأنثروبولوجي، لفهم أعمق لبنية هذا الصراع، بعيدًا عن ثنائية الضحية والجلاد، والانحيازات الجيوسياسية الضيقة.
- من خطاب القوة إلى فكر الردع
يرتكز خطاب نتنياهو على إرث فلسفي يعود إلى توماس هوبز (Leviathan، 1651) الذي صاغ مفهوم "الحرب الطبيعية بين الجميع ضد الجميع"، حيث لا حل إلا بسلطة مركزية قوية تفرض السلام عبر القوة. تقتبس إسرائيل هذا المنطق في استراتيجيتها الأمنية، معتبرة الردع العسكري أساسًا لبقائها في محيطها الإقليمي الذي تراه عدائيًا بطبيعته.
في المقابل، إيران، رغم إعلائها مفاهيم المقاومة والتدين السياسي، توظف منطقًا يختلف ظاهريًا لكنه يتشارك في جوهره مع منطق الردع. فإيران تستخدم القوة كأداة للتوسع الإقليمي عبر أذرعها، مؤمنة بأن الهيمنة بالسياسة الدينية والثورية تضمن لها مكانة محورية. في هذا السياق، القوة ليست فقط عسكرية بل رمزية، إذ تعزز مشروعية النظام من خلال خطاب الجهاد والثورة.
يمكن ربط هذا المنطق أيضًا بنظرية مورغنثاو في "السياسة بين الأمم" (Politics Among Nations, 1948) التي ترى أن السياسة تُبنى على المصالح والقوة لا على المبادئ الأخلاقية. ولكن مع ذلك، هناك فروق جوهرية: إسرائيل تميل إلى المنطق الهوبزي الأمني القائم على البقاء، بينما إيران تُوظف القوة كأداة تغيير جذري للمشهد الإقليمي عبر الثورات والتصدّي.
ميشال فوكو (La Volonté de savoir, 1976) يفسر كيف أن القوة التي تُفرض لا تولد طاعة حقيقية، بل مقاومة دائمة. وهذا ما نراه في التصادم بين الطرفين حيث لا تنقطع الدورات العنيفة، ويُستبدل الحوار بالمواجهة.
- التاريخ كفخ – سرديات الذاكرة والصراع
تستخدم كل من إسرائيل وإيران التاريخ كسلاح سياسي لتأسيس هوية مقاومة تبرر أعمال القوة.
في إسرائيل، يبرز تاريخ المحرقة (الهولوكوست) والشتات كجزء لا يتجزأ من الوعي الجماعي، مما يخلق سردية وجودية تحمي الدولة من أي تهديد وتبرر استخدام القوة كضرورة وجودية. يُعيد هذا التاريخ إنتاج هوية قومية قائمة على الألم والنجاة.
أما إيران، فتستمد ذاكرتها من معاناة الاستعمار، الاحتلال، وثورات 1979. كما تستثمر سردياتها الدينية عن الغيبة والانتظار المخلص في بناء هوية ثورية تسعى إلى قلب نظام الهيمنة الغربية والإسرائيلية.
بحسب بنديكت أندرسون ("الجماعات المتخيلة"، 1983)، هاتان الهويتان تُصاغان عبر سرديات تتعارض مع بعضها البعض، إذ يحدد كل طرف "من نحن" على أساس "من هم الآخرون". هذا الصراع في سرديات الذاكرة يحول النزاع من صراع سياسي إلى صراع وجودي.
- الدين والسياسة – زواج القوة بالقداسة
في إسرائيل، يتداخل الدين مع الدولة عبر تيارات دينية قومية تضفي على السياسات طابعًا مقدسًا، متعلّلة بحقوق دينية على أرض فلسطين التاريخية، خاصة القدس. خطابات مثل "أرض الميعاد" تُستخدم لتبرير الهيمنة والقوة العسكرية.
إيران، كدولة ثيوقراطية، تستخدم الدين كنظام حكم سياسي، حيث تصبح المرجعية الدينية (ولاية الفقيه) مصدر سلطة مطلقة. تصاغ السياسة في إطار مقدس، وتُعبأ الجماهير بفكرة الصراع ضد "الشيطان الأكبر" (أميركا وإسرائيل).
وفقًا لأنثروبولوجي مثل رينيه جيرار، يعيش الطرفان في منطق التضحية القربانية: الآخر يُختار ككبش فداء لتجديد وحدة الجماعة وصيانتها، مما يخلق دورة دائمة من العنف المقدس.
- الشعوب والهويات – من التمثيل إلى التشييء
في هذا النزاع، تتحوّل الشعوب في إسرائيل وإيران إلى أدوات في يد النخب الحاكمة، التي تستخدم الهويات المسلّحة لتعزيز سلطتها.
كما بيّن بيير بورديو في مفهوم العنف الرمزي، يُفرض الانتماء والهوية كأدوات استنفار واحتكار للسلطة، مع تحييد الإرادة الفردية.
الإسرائيلي العادي، الإيراني العادي، وحتى اللبناني والفلسطيني، يعيشون بين مطرقة الصراعات الكبرى وسندان المصالح الجيوسياسية، بلا صوت حقيقي في مصيرهم.
لا يمكن للسلام الحقيقي أن يُبنى على الخوف أو القوة. الردع قد يُفرِض هدوءًا هشًا، لكنه لا يصنع مصالحة حقيقية. كما أشار بول ريكور ("الذاكرة، التاريخ، النسيان"، 2000)، المصالحة تبدأ عندما يُقرّ كل طرف بحق الآخر في سرد وجوده.
الخروج من دائرة العنف يتطلب تحولًا فكريًا وسياسيًا جذريًا: الانتقال من منطق القوة إلى منطق العدالة، ومن الهيمنة إلى التفاهم، ومن سردية الاستعلاء إلى الاعتراف المتبادل.
يبقى السؤال: هل يمكن لإسرائيل وإيران أن تتجاوزا خصامهما، وتُعيدا بناء سلام يقوم على المعنى لا على القوة؟
نبض