Digital solutions by

أولاد ونساء بلا مأوى ولا مأكل ولا تدفئة... والتقديمات هشة!

19 كانون الأول 2013 | 12:39

لم يعرف اللاجئون السوريون في قضاء بعلبك – الهرمل ان حالهم في فصل الشتاء ستكون اسوأ من الحوادث الجارية في بلدهم، ولم تساعدهم استعداداتهم المحدودة التي اتخذوها قبيل العاصفة في اتقاء البرد القارس والثلوج التي ادت الى انهيار بعض الخيم، خصوصا في بلدة عرسال الجبلية في البقاع الشمالي، ما يضيف إلى مأساة اللاجئين مأساة جديدة.

اتت العاصفة "الكسا" لتكشف هشاشة تقديمات الجمعيات الدولية والمحلية لمساعدة اللاجئين السوريين، فالاموال التي صرفت لمساعدتهم لم يروا منها سوى القليل. اكثر من 4 الاف عائلة لاجئة سورية، اي ما يناهز 80000 نازح جلّهم من الأطفال والنساء وجدوا انفسهم في ظروف مأسوية جداً في اراضي عرسال. برد وخيم بدائية من النايلون تفتقر الى الحد الأدنى من الحماية، ومن أدنى المواصفات لمواجهة العوامل المناخية القاسية..
يكفي أن تزور بلدة عرسال لتكتشف حجم المأساة، فما ان تقطع الطريق الجبلية للوصول الى مشارف البلدة الجردية القابعة في احضان الجبال وترتفع عن سطح البحر نحو 1450 متراً حتى تطل على مخيمات اللاجئين، الذين فاضوا عن البلدة ومنازلها، وحتى أراضيها، وفد معظمهم من القصير وريفها وحمص، واخيراً من بلدة قارة وبقية قرى وبلدات القلمون.
والوافدون حديثاً منهم من لم يجد شبر ارض خالياً في عرسال لينصبوا خيمهم، فسكنوا المساجد وصالة للافراح، وسجلت المنظمات العاملة على الأرض دخول ثمانين الف لاجىء سجل منهم نحو 20 الفاً، فيما سجلت البلدية اكثر من 65 الفاً.

"انقلوا أوجاعنا"
يملأ الأولاد السوريون شوارع عرسال وساحاتها وزواريب المخيمات، يلهون بالثلوج وكل ما على أجسادهم كنزات رقيقة لا يمكنها مواجهة برد كانون، وبعضهم لم يجد ما يقتات به او يروي ظمأه سوى الثلوج. وارتال من النسوة تصطف امام المبنى البلدي سعياً، من دون جدوى، للحصول على حصص من مواد تموينية واغطية من الأمم المتّحدة وبعض الجمعيات الإنسانية الإسلامية.
ندخل الى المخيمات، فما ان نحاول التقاط الصور حتى يقترب المئات. اطفال وفتيان ونسوة نقلوا اوجاعهم عبر الاعلام، منهم من ينظر الى الكاميرا بسخط وغضب، مع عدم فقدان الامل بنقل معاناتهم ومساعدتهم في الخروج من خيمهم والعيش تحت سقف، ولو فقط في الشتاء. معركة أخرى يخوضها هؤلاء اللاجئون، ولا تقل خطراً عن القصف والعيارات النارية وهي مصارعة البرد ولقمة العيش ومحاربة امراض الشتاء، التي اصابت العديد منهم اغلبيتهم من الاطفال والكهول، مع غياب وسائل التدفئة المناسبة، رغم تأمين المعاينات الطبية المجانية داخل مستشفى ميداني في عرسال. غير ان قفل الطرق الداخلية للبلدة جراء الثلوج حال دون الوصول الى المستشفى والمراكز الصحية حيث سجلت اربع حالات انزلاق جراء تشكل الجليد بينهم طفلان تعرضا لرضوض وكسور. ناهيك عن الأوجاع المعوية داخل المخيمات جراء غياب النظافة لدى بعض العائلات، فالمخيمات خالية من مراحيض مناسبة، كما ان عدم الاستحمام الدائم بفضل تدني الحرارة، وتجمد مياه الشفة، إذ تدنت درجة الحرارة إلى 9 ما دون الصفر ليلاً.

صوبيا بلا مازوت؟
داخل معظم الخيم تنتصب "الصوبيا" لكن من دون مادة المازوت وتستعمل كطاولة ويتدثرون بالأغطية ردعاً للبرد. "بؤساء نحن مهجرون، نازحون، خائفون نعاني الجوع والبرد، نحن متجمدون نصارع البقاء، نسكن العراء. نعم اننا محزونون نعيش ما بين ليلة وظلمة، امسينا من الكهرباء مقطوعون ونحيا بواقع ضجيج ملت منه ازقة السكون"، بهذه الكلمات يختصر خلدون فريحة، خريج علم نفس وشاعر، معاناة جميع اللاجئين. ويطلق صرخة في وجه كل مسؤول وكل المؤسسات الانسانية المعنية باللاجئين التي باتت حملاتها الاعلانية تفوق عدد المساعدات المقدمة.
اللاجئة سكنة من بلدة قارة أكدت ان كل ما استطاعت الحصول عليه هو بضع اغطية لها ولاطفالها الثلاثة. تعيش داخل خيمة لا تتعدى المترين، وتنتظر ان يتصدق عليها بلقمة عيش. امضت ليالي عدة مع أطفالها من دون ان ترى عيونهم لحظة نوم جراء الجوع والبرد. اما جارتها الحاجة نهى من حمص فتقول: "البرد نخر عظامنا"، تعاني انتفاخاً بساقيها جراء الصقيع ولم تستطيع الذهاب الى المستشفى للمعالجة اذ تبعد 2 كلم عن المخيم.
عبد الكريم زهوري في العقد الستين من العمر، لجأ مع عائلته من بلدة القصير، مسجل لدى المفوضية العليا للاجئين، اكد انه منذ شهرين ونصف الشهر لم تصله اي مساعدة، لافتا الى ان هناك تفرقة في التعامل من المنظمات. هو يقطن في مخيم "الناقع"، نسبة الى الوادي الذي انشىء فيه، وهي منطقة مجرى للسيول، يبدي خشيته من ذوبان الثلوج في الايام المقبلة وتدفقها الى داخل الخيم مع ما يمكن ان يترتب ذلك من اضرار، لذا يطالب بنقلهم الى اماكن اكثر امناً.
محمد شعبان احد سكان المخيم من النبك والمسؤول عن عائلة مكونة من 10 افراد يعيشون في احدى الخيم يقول: "لا يمكن لانسان العيش في هذه الظروف، نزحنا منذ 6 اشهر من بلدتنا القصير لكن كل ما يهمنا هو بقاء الخيم فوق رؤوسنا وان لا تدخل المياه الينا، اذ اننا لا نملك ثمن الادوات لازالة هذه الثلوج التي لا نعرف معها ماذا سنفعل".
مأساة حقيقية لعائلات بلا مأوى ولا مأكل ولا تدفئة ومساعدات غير كافية جراء الزيادة العددية الكبرى التي فاقت عددها ضعفي عدد المواطنين من ابناء البلدة موزّعين في 10 مخيمات، إضافة إلى صالتي أعراس ومسجدين والحبل على جرار التطورات الميدانية في القلمون، فكلّما فتحت جبهات جديدة في سوريا يزيد عدد العائلات اللاجئة وربما لن يموتوا من القصف بل من نقص الأدوية وسوء التغذية وربما الجوع حتى.

Digital solutions by