Digital solutions by

امرأة ستهزم "سوبرمان" غداً مساء!

6 كانون الأول 2013 | 20:00

المصدر: "النهار"

يتهيّأ للأُذن، عند الوقوع على لفظ "سوبرمان"، ان المعنى لا بدّ ان يتضمن التفوّق. فمنذ الصغر، وذاك الكائن الكرتوني المُختَرع، جاثم في الذاكرة على هيئة الخروج من الواقع الى القوة. تُمسك الشاعرة الزميلة جمانة حداد، في كتابها الجديد "سوبرمان عربي" ("دار الساقي")، "السوبرمان" الخرافي المُضخَّم، وتعيده الى حجمه "رجلاً" (ذكراً) عادياً، من دون قدرات خارقة ولا سلطة مطلقة.
بدءاً من السابعة مساء غد، تُوقّع حداد كتابها في قاعة المحاضرات "ب" في معرض بيروت الدولي للكتاب، في "البيال". فيه تُخضع اسطورة "السوبرمان" للتفكك، كما سبق ان فككت اسطورة شهرزاد بالقتل ("هكذا قتلتُ شهرزاد"). لا تخشى اللغة الشعرية من الفضح، لا بل تسعى اليه مفاخرةً بوظيفتها. "السوبرمان" هنا هو تحديداً الرجل العربي الذي يخال نفسه سيداً لما ورثه من عِقد اجتماعية نفسية تربوية في مرحلة الطفولة. تعرّيه الشاعرة من أقنعته ليواجه ذاته أولاً، فهو، الممتلئ بالموروثات الخاطئة، تعلّم، منذ الصغر، ان صورة الرجل لا تخضع لأي عامل مُغيِّر. تأخذ مواجهة الشخصية "السوبرمانية" مع عاهاتها حيّزاً من النصّ، وكلما رأى نفسه على حقيقته، سقطت العناصر المكوّنة للشخصية كـ"شيء" مُجسَّد: العضل، والجمال و"الألوهية"، والذكورية و"الحرية" (الجنسية تحديداً)، تمهيداً لتحقيق المساواة كفكرة (مثال)، وإن كان الواقع (الحاضر بكثافة شعرية ضمن النصّ الشعري ذاته) ممعناً في التفرقة والإنغلاق والشرخ والعزلة.
لا يعود الفصام "حالاً" نفسية قابلة للعلاج بالدواء أو بجلسات عيادية، أو "مرضاً" إن تفاقم استدعى المصحة. هو عبور الى مرحلة جديدة من "تطهير" الذات من خلال "تبنّي" مفاهيم "نُظِّفت" لتمنح النفس استمراريتها من دون همّ "الصورة" في عين المجتمع. تُخرَق فردية الحال الدالة على "سوبرمان" (حصراً)، لتُعمم نفسها على كل كائن "حديدي" يزعم انه لا يشتاق ولا يبكي ولا يحتاج الى آخر، أو انه مِن شَبَع وسعادة وعقلٍ يجنّبه الهفوة. النصّ لا يساوم، ولغته لا تنتظر أحداً، فنقرأ: "مرةً، وقعتُ في حبّ رجل لأنه كان يجعلُني أضحك، ثم توقفتُ عن حبه لأنه لم يكن يشرب دموعي عندما أبكي". هذا "السوبرمان" أضعف من "انقاذ" امرأة، فكيف يخلّص الكوكب؟
"سوبرمان" الشاعرة فينا حين "نُجبَر" على التقنّع خوفاً من الظهور بصراحة: أقوياء حيناً، ولكن في بعض الأحيان ضعفاء. لسنا سعداء في كل الأوقات، وليس "واجباً" ان يبقى المزاج رهن مزاج الآخرين. نُدفعُ في الكتاب نحو عمق العلاقات الإنسانية (وعلاقة المرأة بالرجل تحديداً) حين تصبح "طقساً"، فيظهر ان ما بُني، منذ تكوّن البشرية، ضالعٌ في الهشاشة. شعرية حداد تساوي القارئ مع "سوبرمانية" الواقع الخدّاع عندما لا ينفكّ يُطلق الأحكام على المظهر، فيرى المُبتسم سعيداً، والثري كريماً، والفقير محتاجاً، والمرأة "ضلعاً" والرجل "قوّاماً" عليها، "يسترها" ويكفل "شرفها".
بصوت غادة شبير، ستُنشَد قصائد الشاعرة غداً، وتليها دويتو قراءات بين الممثل رفيق علي أحمد وحداد، يرافقهما على البيانو العازف وليد مسلّم. لن يتوقّع القارئ ان مهمة "السوبرمان" ستفشل، وان العالم لن يُنقذه رجلٌ، فلا كائنات خارقة إلا لأننا ضعفاء نصدّق الخرافة، ومن يدّعي العكس، فإنما يقدّم صورة "مُجمَّلة" عن خبثه (الاجتماعي والديني والجنسي والسياسي)، لذا سيُهزّ. "سوبرمان عربي" ليُصفع القارئ، ويختار الإرتطام بدلاً من المهدانة، والنار بدلاً من الجنة، وإلا فمن الأفضل ان ينصرف عن الكتاب الى شيء آخر لا يكلّف جهداً.


Fatima.abdallah@annahar.com.lb
Twitter: @abdallah_fatima

 

Digital solutions by