Digital solutions by

ملامح نظام نقدي عالمي جديد في الأفق

10 أيلول 2018 | 16:05

المصدر: "النهار"

دونالد ترامب (أ ب).

بعد خروج #الولايات_المتحدة الأميركية منتصرة وقوية في الحرب العالمية الثانية، ومن أجل إحكام سيطرتها السياسية والاقتصادية العالمية، بادرت الإدارة الأميركية إلى دعوة 44 دولة للاجتماع في تموز 1944 بمدينة بريتون وودز الأميركية للاتفاق على صياغة نظام نقدي دولي جديد، بغية ربط اقتصاديات دول العالم بالاقتصاد الأميركي. فكان إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي كأحد أهم آليات هذا النظام العالمي الجديد. وبخطوة التفافية على الدول الأعضاء قام النظام النقدي الجديد على أساس "قاعدة الصرف بالدولار الذهبي" وعلى أساس "مقياس التبادل الذهبي"،على أن تقوم الولايات المتحدة بتبديل حيازتها من الدولارات الورقية بالذهب وعلى أساس سعر محدد وثابت وهو 35 دولاراً للأونصة. وجاءت الصدمة التي تعرض لها الدول الأعضاء - والتي عُرفت بصدمة نيكسون- عندما أعلن الرئيس الأميركي نيكسون في 13 آب 1971 وقف قابلية تبديل الدولار إلى ذهب وهو أهم أركان نظام بريتون وودز. وتم الانتقال إلى نظام تعويم العملات الورقية. إلا أن المفارقة أن أي من الدول الأعضاء لم تعترض على قرار الرئيس الأميركي لأن ذلك كان بمثابة كارثة عليها، لأن رصيدها من الدولارات سيصبح بلا قيمة. واستغلت الولايات المتحدة هذا الوضع في السيطرة على النظام النقدي والمالي العالمي؛ واستطاع الدولار الأميركي أن يتحول من عملة محلية إلى عملة الارتكاز الدولية الرئيسية.

لماذا هيمن الدولار الأميركي على العالم؟

خرجت الولايات المتحدة الأميركية كأقوى اقتصاد عالمي في ذلك الوقت، إذ كانت تنتج ما يزيد على نصف الإنتاج الصناعي العالمي، وكانت أكبر دائن على المستوى الدولي، وتمتلك وحدها 25 مليار دولار من الأرصدة المالية العالمية والتي قُدِّرت في ذلك الوقت بما يعادل 38 مليار دولار أي ما يعادل 65.79 % من هذا الرصيد. وبالإضافة الى القوة العسكرية الضخمة جداً، والتي هيمنت من خلالها الولايات المتحدة على العديد من دول العالم، اكتسب الدولار الأميركي قوته العالمية هذه من القوة العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة. وترسخت هذه الهيمنة العالمية بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وبروز الأحادية القطبية الأميركية، وبذلك أصبح الدولار الأميركي العملة العالمية الأولى التي لا غنى عنها. وتحتفظ به كثير من دول العالم كاحتياطي إضافي، إلى جانب الذهب، وتُقيّم ميزانيتها السنوية على أساسه. بل أصبحت التجارة الدولية تُحتسب على أساس الدولار حيث يُستخدَم الدولار في نحو 90% من العقود التجارية على مستوى العالم، ووصل الدولار الأميركي إلى أكثر من أربعة أخماس كافة التعاملات التبادلية الأجنبية. ومن أهم مزايا التعامل بالدولار هو سهولة تحويله إلى العملات الأخرى أو الذهب، وثقة شعوب العالم كافة به بعدم تعرضه للتذبذب الناتج عن المضاربات أو عن الأزمات العالمية، ناهيك عن قدرة الإدارة الأميركية على اتباع سياسات نقدية ومالية تجذب المستثمرين إلى شراء الدولار والاحتفاظ به كأحد أهم الاحتياطي في محفظتهم المالية.

تكتلات اقتصادية جديدة

شهد القرن الحادي والعشرون تبدلات هامة في اقتصاديات دول العالم. حيث تراجع الحجم الاقتصادي لمجموعة الدول السبع الكبار(الولايات المتحدة، ألمانيا، فرنسا، كندا، إيطاليا، اليابان، المملكة المتحدة) من 43,6% من إجمالي الناتج العالمي عام 2000 وصولاً إلى 30,8 % عام 2016 . في مقابل هذا التراجع ازدادت مساهمة دول البريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) من 18,6% من إجمالي الناتج العالمي وصولاً إلى 31,3% عام 2016، لتتجاوز مساهمة مجموعة السبع الكبار. وعلى الرغم من تقديرات صندوق النقد الدولى لعام 2018 التي تتوقع أن يصل حجم الناتج المحلى للولايات المتحدة الأميركية إلى 20.4 تريليون دولار، فإن التقديرات أيضاً أن يتجاوز حجم الناتج المحلي لدول البريكس عتبة 20.87 تريليون دولار. وتشير الدراسات إلى انخفاض مساهمة الاقتصاد الأميركي إلى 14.9 في المائة، وارتفاع نسبة مساهمة الصين إلى 17.2 في المائة من الاقتصاد العالمي بحلول عام 2025. ومن المتوقع أن تتقدم الصين والهند على الولايات المتحدة في العام 2050، حيث سيبلغ الاقتصاد الصيني 58.499 تريليون دولار تليها الهند بـ 44.128 تريليون دولار، وتأتي الولايات المتحدة ثالثاً

بـ34.102 تريليون دولار، وذلك بحسب تقرير شركة (PwC) الاقتصادي الذي نشرت مضمونه جريدة "اندبندنت" البريطانية تحت عنوان: "رؤية بعيدة: كيف سيتغير الاقتصاد العالمي بحلول العام 2050".

نظام عالمي جديد

أسباب سياسية وعسكرية واقتصادية عديدة تجعل هيمنة الاقتصاد الأميركي ومن ورائه الدولار عرضة للاهتزاز وفقدان قيمته على المدى الطويل. وتعمل دول البريكس وعلى رأسها روسيا والصين حالياً على إرساء دعائم نظام نقدي ستتضح معالمه وتظهر تأثيراته العالمية في الفترة المقبلة. فقد قامت الصين وروسيا والهند، إلى تقليص احتياطياتها من الدولار بشكل تدريجي وسري لصالح الذهب واليورو وعملاتها المحلية. وتسعى هذه الدول إلى الانتقال الهادئ لنظام نقدي دولي يعتمد على سلة عملات وليس عملة واحدة كما هو الحال الآن. وتفادياً للعقوبات الأميركية على الصين وروسيا وتركيا وإيران، تسعى هذه الدول إلى اعتماد عملاتها المحلية في تبادلاتها التجارية وخفض الاعتماد على الدولار. ففي تموز 2014 وخلال قمة بريكس تم الاتفاق على انشاء بنك التنمية الجديد بقيمة 50 مليار وصندوق احتياط نقدي جديد بقيمة 100 مليار دولار. وأكمل كل من البنك المركزي الروسي وبنك الشعب الصيني (البنك المركزي)، اتفاقيات إنشاء نظام تسوية فوري بين اليوان والروبل. وفي سعيها للحدّ من سيطرة الدولار الأميركي على تسعيرة النفط الخام في العالم أطلقت الصين بورصة لعقود النفط الآجلة مقومة بعملتها "اليوان" في آذار الماضي. وبحسب صحيفة "ذي إيكونوميك تايمز" الهندية فإن روسيا والهند قررتا استخدام العملات الوطنية في الصفقات العسكرية المبرمة بين البلدين. وقد اتفقت الحكومة الإيرانية في آب مع نظيرتها الصينية، على استخدام العملات المحلية للبلدين، بدلاً من الدولار في التبادلات التجارية الثنائية، كذلك الاتفاق مع الحكومة الهندية. بالإضافة الى الاتفاقية بين إيران وباكستان بدفع ثمن مبادلاتهما التجارية بعملتيهما الوطنية. وبدأت تركيا بالتعامل مع كل من الصين وروسيا وإيران بعملاتها الوطنية.

فهل نحتاج إلى حرب عالمية جديدة للقضاء على أسس النطام العالمي الحالي، أم أن المعطيات الاقتصادية كفيلة بنشوء هذا النظام ؟؟

Digital solutions by