Digital solutions by

البندقية ٧٥ - "العندليب" لجنيفر كَنت: عنف وتضامن في أرض محتلّة

7 أيلول 2018 | 20:17

المصدر: "النهار"

“العندليب” لجنيفر كَنت.

موضوع “مزعج” يفتح جراح الماضي، تيمة انتقام في إطار تاريخي كولونيالي، عنف ودم… هذا ما جاءت به المخرجة الأوسترالية جنيفر كَنت إلى جزيرة الليدو محملّة بمولودها الجديد، “العندليب”، المشارك في مسابقة الدورة الخامسة والسبعين لـ #مهرجان_البندقية السينمائي (٢٩ آب - ٨ أيلول). للمناسبة، كَنت هي السيدة الوحيدة التي تشارك في مسابقة هذا العام التي تتألف من ٢١ فيلماً، الأمر الذي تسبّب للمهرجان ببعض المتاعب، ولكن استطاعت الإدارة تجاوزها.

حادثة أخلاقية تصدّرت الإعلام على هامش مشاركة الفيلم في المهرجان: خلال العرض الصحافي، ما إن ظهر اسم المخرجة على الشاشة، حتى توجّه أحدهم بالشتائم وأحطّ النعوت إليها، داعياً اياها “عاهرة”. تبين أنّ الرجل هو أحد النقّاد السينمائيين الذين يغطّون المهرجان. الخبر انتشر، ما استدعى طرح سؤال في هذا الشأن خلال المؤتمر الصحافي الذي عقدته كَنت، فكان جوابها أنّه يجب الرد على الجهل بالحبّ، إذ “لا يوجد لنا خيارٌ آخر”. قالت كَنت إنّ الحبّ والتعاطف واللطف شعارها في الحياة، وإذا لم نتمسّك بهذه القيم، سنصبح كلّنا في الحضيض. وانتهت “القضية” بسحب المهرجان بادج الصحافي الذي عاد واعتذر قائلاً انه أُسيء فهمه.

جنيفر كَنت هي في الأصل ممثّلة. انتقلت إلى الإخراج مع فيلم الرعب “بادابوك” الذي لاقى نجاحاً لافتاً في مهرجان ساندانس في العالم ٢٠١٤، وفاز بجوائز عدة. “العندليب” فيلمها الروائي الثاني، وهو من الأعمال العديدة المعروضة في البندقية التي تعيدنا إلى الماضي. الحوادث تدور في إحدى المستعمرات البريطانية في أوستراليا (عام ١٨٢٣) وهي عن إيرلندية اسمها كلير (ايلينغ فرانسيوزي) تحاول أن تثأر عن جريمة طالت عائلتها. المرتكب هو ضابط بريطاني (سام كلافلين). كلير التي سُجِنت سبع سنوات من أجل سرقة تافهة، ستطارد الضابط عبر البريّة لتحقيق ما تعتبره العدالة. ستتلقى دعماً من بيلي (بايكالي غانامبار)، شاب من السكّان الأصليين، الذي عرف بدوره معنى الفقدان والعنصرية والضغينة.

يتضمن الفيلم عدداً لا بأس به من المَشاهد العنيفة: قتل، سفك دماء، اغتصاب. انه عنفٌ مرسومٌ على وجوه الشخصيات، لا حاجة للبحث عنه. حتى الإيقاع يحمل في داخله شيئاً من هذا العنف الذي لا يبرد مع الاقتراب إلى النهايات، بل يقول لنا إنّ الآتي أعظم. يستمر هذا طوال ١٣٦ دقيقة، أشحتُ نظري عن الشاشة خلالها مرات عدة.

بيلي هو الآخر شاهد الفظائع في حياته. أصلاً، ماذا يفعل هؤلاء الأوروبيون السفلة في وطنه؟ كيف يُمكن السكوت عمّا حلّ به من سرقة لأرضه واستعباد لمواطنيه وارغامه على مشاهدة قتل أفراد عائلته؟ وتشابه السيرة بين بيلي وكلير كبير: هي أيضاً كإيرلندية عوملت بسوء وتمييز شديدين. حتى إنها بصفتها امرأة اعتُبرت مُلكاً للرجل. وحدة الحال هذه تقوّي الروابط بين كلير وبيل.

ينطوي السيناريو على كمية من الكلام في العنصرية، لا العنصرية البدائية، انما تلك المنظّمة الواعية التي تخطط للإبادة واقتلاع ثقافة كاملة من جذورها.

صحيح ان جنيفر كَنت لا تقدّم تنازلات في رؤيتها القاسية للحظة مهمة من التاريخ، ولكن تبقى الأشياء ضمن هذا الحدود. ففيلمها ليس إنجازاً كبيراً، انه سليمٌ فحسب. كلّ شيء فيه، من الإخراج إلى التمثيل، يتسّم بالجودة من دون أن يُحدث الشرارة المنتظرة. مع ذلك، ينبغي التنوية للصورة المربّعة التي شكّلها مدير التصوير رادك لاتشوك.

عدد من الأفلام في هذه الدورة أعادنا إلى ماضي الغرب الأسود قبل ان يستقر على القيم العالمية التي وضعها لاحقاً. سواء الماضي الذي أفلمه فلوريان فون دونرسمارك في “عمل بلا مؤلف” أو الرؤية الأبوكاليبتية للازلو نمش في “شروق” أو مجزرة بيتلرو في فيلم مايك لي، هناك لعبة مرايا بين الحاضر والماضي نتيجة وعي غير مسبوق بأن مَن ينسى الفظائع… يكررها.

Digital solutions by