Digital solutions by

"والله اشتقتلّك يا إمّي"

7 أيلول 2018 | 14:38

أم تودع ابنها (أ ف ب).

مذ أخبروني بوفاته. لم أقرأ له الفاتحة. لم أستطع!

أشعر بأنّه على قيد الحياة. إذ كيف يمكن أن يموت من دون أن أشعر بذلك؟!

على الرغم من تسلّمها شهادة وفاةٍ رسمية لابنها، لا تزال تتوجه كل أسبوع إلى مركز الشرطة العسكرية للسؤال عنه.

على الرّغم من كونها لم تسمع إجابةً مختلفة، غير أنَّها لم تقتنع.

لا تزال تقول: كيف مات؟ أنا حاسستو عايش. مستحيل يموت وما حس!

***

حفظ الطريق إلى مركز الشرطة العسكرية بدمشق قبل أن يحفظ الطريق إلى المدرسة.

كان يرافق والدته كلَّ أسبوعٍ في سعيها للوصول إلى معلومةٍ عن مصير زوجها المُعتقل منذ نحو سبع سنوات!

في آخر زيارةٍ إلى مقرِّ الشرطة العسكرية، دخلتْ والدته للسؤال عن زوجها، فيما ظلَّ هو في انتظارها خارجاً. انتظرها لساعاتٍ طويلة حتّى تملَّكه خوفٌ تحوَّل إلى نوبةٍ من البكاء، جعلت الجميع ينسى همَّه ويجلس بجانبه محاولاً تهدئته.

قالتْ له إحدى السَّيدات: لماذا تبكي؟ جميع من يدخل للسؤال يتأخر هكذا. الازدحام في الداخل هو السبب.

توقف الطفل عن البكاء وقال برعب: وماذا لو لم تعد؟ والدي خرج ليشتري لي زجاجةَ حليب منذ سبع سنوات ولم يعد حتَّى الآن!

***

اعتادت التوجه إلى مقرّ الشرطة العسكرية كلَّ أسبوعٍ منذ اعتقال والدها حتى اليوم.

"كان والدي رجلاً مريضاً. لم يكن يفكر في تغيير شيءٍ في هذه البلاد. في الحقيقة كان قد يئس من التغيير منذ زمنٍ بعيد. خرج ليزور شقيقه في المشفى، لكنَّه لم يعد. علمنا في ما بعد أنَّه محتجزٌ في سجن صيدنايا العسكري".

تعود في كلِّ مرة وجيوبها خاليةٌ من بطاقةِ زيارةٍ له. في كلِّ مرةٍ يجلدها الضابط هناك بجوابه البارد: "ما لو اسم عنا". اليوم خرجتْ بورقةٍ صفراء وبهويةٍ شخصية. قال لها: "توفى". جلستْ على الرصيف تفكر: "هل ماتَ بهدوء؟ أعتقد أنَّه ارتاح الآن فهو لا يحتمل التعذيب".

***

من خلف القضبان رأتْ شقيقها للمرة الأولى منذ اعتقاله في العام 2013. بدا قادماً من الموت. في الحقيقة تمَّ إخبارها فعلاً بأنَّه مات. صرخ باسمها فرحاً وأردف: "اشتقتلك كتير". ظلت صامتةً وهي تختنق بدموعها. لم يكن يعلم أنها دفعتْ ثمن هذه الدقائق العشر، مليوناً ونصف مليون ليرة سورية تقريباً، وليالي من البكاء والخوف، وكوابيسَ لا تنتهي. مدتْ يدها علَّها تصل إلى وجهه، لكنَّ القضبان كثيرةٌ وقاسية. كانت المسافة بينهما أبعد مما تبدو.

في نهاية الزيارة نظر إليها الضابط الواقف بجانب شقيقها وقال: "تعالي ودِّعيه. هو ممنوع ها، بس أبو رفيق غالي علينا". فتح طاقةً صغيرةً في الباب الفاصل بينهما أطلّ منه شقيقها بوجهه الناحل وعينيه الخائفتين. همس لها: "عم فكِّر فيكِ. لا تنسيني". غادرها مطأطئاً رأسه خائفاً من الالتفات لاستراق نظرةٍ أخيرةٍ إلى وجهها، بينما ظلَّتْ نظراتها تتبعه وقلبها يسير بجانبه في الممرات الضيّقة المعتمة، يحتضنه ويهمس له: "عم فكر فيك. ما رح إنساك".

***

مع دخول الصيف، أفرغتْ حقائبه المليئة بثيابه الشتوية لاستبدالها. ما إن فتحتِ الحقيبة حتى انهمرتْ دموعها على ثيابه التي دأبت على غسلها ووضعها في حقيبته بعناية من دون أن تنسى حشوها بالصابون. بعض الثياب اشترتها له بعد اعتقاله. لم تكن تريد أن يرتدي ثياباً قديمةً عند عودته. في العودة إلى تلك اللحظة، دخلتْ ابنتها لتجدها على أرض الغرفة غائبةً عن الوعي، وثيابه بجانبها. غسلتْ وجهها بالماء البارد، ورجتها قائلةً: "إمّي، مشان الله، خلّيني ضبّلو أواعيه عندي. حاج تضلّي تطالعيهن".

مع نهاية الصيف دخلتْ غرفته لكنّها لم تجد ثيابه في أيّ مكان, جلستْ على حافة السرير وبكتْ. كان صدى صراخها يتردد في أرجاء الغرفة: "لك إيمتى رح ترجع؟! والله اشتقتلك، يا إمّي".

Digital solutions by