Digital solutions by

"عندما يختلف اللصوص تظهر الحقيقة"

2 أيلول 2018 | 08:36

المصدر: "النهار"

اختلاف الحقيقة (تعبيرية- لوحة لعلي النجار).

بعض الحقائق لا نراها رغم وضوحها، نُخفي رؤوسنا في حضن أحداثٍ أكثر قبحاً من الحقيقة ذاتها فتغيب عنا لسنوات، وربما لعقود أو قرون. هكذا هي الحقائق مكرها في وضوحها الخفي. 

اجتهد الكثير من كتاب التاريخ السياسي لربط الأحداث ووضعها في قالب يُسهل علينا فهمه، منهم من ينسب مصائب الكون وحروبه وثوراته للحركات العالمية مثل الصهيونية السياسية، والشيوعية، والنازية، والحركة الثورية العالمية، والماسونية، وجميعها مرادفات لرؤية واحدة، ويأتي ذلك كله في سياق يبدو مدهشاً للوهلة الأولى ثمّ يتضح أنّ كثيراً من الروايات كانت مكشوفة لمن أراد أن يُبصرها وأن ما اتضح لاحقاً مجرد تفاصيل تثير شعلة الحقيقة ليس أكثر، بعض كتاب التاريخ السياسي يَسلُم إثر اجتهاده، وبعضهم يتم اغتيالهم وذنبهم الكبير وضع الحقيقة في مسارها، ربما اختلف قليلاً مع فكرة نسب كل الأحداث للمؤامرة الكونية، لكن شيئاً واحداً علينا أن نتفق عليه أن التاريخ يكرر نفسه وإنْ اختلف أشخاصه وزمانه ومكانه.

الثورة الفرنسية مخطط مكرر

تُرجع الكتب والتحليلات الاقتصادية والتاريخية السبب وراءها إلى مخطط مدروس نفذ ببراعة لإشعال الثورة الفرنسية، وكان يهدف الى المناورة بثروات #فرنسا وبالتالي خلق ظروف اقتصادية خانقة للشعب تدفعه إلى الثورة على أن يتحمل البلاط الملكي ممثلاً بالملك والنبلاء حوله المسؤولية وفي الوقت ذاته يندس مجموعة من المحرضين ليبثوا شحنات من الكراهية بين أفراد الشعب لتشيع مشاعر الانتقام من الحكام. وهو ما حدث بالفعل.

وبحسب الروايات أن مايلر روتشيلد (ابن عائلة روتشيلد اليهودية الألمانية المصرفية التي كانت على مقدرة مالية لتمويل الدول والثورات) ألقى ذات مرة خطاباً كشف فيه خطته، وقال فيه: ”لأن الناس تميل إلى الشر فالوسيلة الأفضل للحصول على نتائج سريعة هي استعمال العنف والارهاب وليس المفاوضات“، وكشف كيف تم تنظيم الثورة الإنكليزية مسبقاً وكيف عليهم تفادي الأخطاء التي أُرتكبت آنذاك.

ماري انطوانيت والمقصلة وعقد الجوهر

سمعتها السيئة، خياناتها المتكررة لزوجها مع أصدقائه، وصورتها الراسخة كامرأة لعوب وغير آبهة بالشعب وهمومه هي صورة نمطية تبناها كثير من رواة التاريخ ودارسيه، لكن العديد من الكتب أنصفتها لاحقاً، على أن ذلك ليس الا جزءاً من حملة تشهير مقصدها جعل الشعب يطالب برأسها بعد قيام الثورة، وقضية عقد الجوهر من أشهر القصص التي أثيرت، ففي الوقت التي كانت تعاني فيه خزينة الدولة الفرنسية الأمرين، حمل أحد العملاء طلباً مزواً من انطوانيت إلى جوهري البلاط الملكي بصناعة عقد يقدر ثمنه بربع مليون ليرة فرنسية، وحين قدمه اليها الصائغ نفت أن تكون قد طلبته لكن القصص حوله كانت قد انتشرت وزاد غرق انطوانيت في وحل الغضب عليها.

ضريبة الشاي

بينما يؤكد المؤرخون أنّ سبب الثورة الأميركية على انكلترا هو اقرار “ضريبة الشاي” على المستعمرات الأميركية حتى سمُيّت ثورة عام 1779 بثورة الشاي، إلا أن بينجامين فرانكلين أحد أهم مؤسسي الولايات الأميركية اعترف بأنّ السبب الحقيقي وراء الثورة هو مصادرة من بريطانيا حق إصدار النقد من الولايات المتحدة، فأدى الى انتشار البطالة وخلق أزمة مالية أدت إلى نشوب ثورة انتهت باستقلال الولايات المتحدة وازدياد الدين القومي في بريطانيا وبالتالي إضعاف الامبراطورية البريطانية وهو الهدف الأهم وراء اشعال الثورة.

قبيل الثورة الروسية

في نهاية ثورة 1905 تولى رئيس الوزراء ستالين حملة اصلاحات كبيرة، وقام بإصدار “قوانين ستالين” التي منحت حينها حقوقاً مدنية للفلاحين الذين كانوا يشكلون غالبية الشعب الروسي، وكنتيجة للإصلاحات صار بمستطاع الفلاحين شراء وامتلاك الأراضي. ومع ذلك نهاية ستالين كانت اغتيال أكبر وزير مصلح عرفته #روسيا، لأن الاصلاح ليس المطلب الحقيقي لدعاة الثورة وإنما احتكار السلطة.

ما أرمي إليه أن القصص على مر التاريخ متشابهة، والأمثلة لا تنتهي، الثورات، والانقلابات، والأزمات الاقتصادية، والحصار، وبدايات الحكم، ونهايات الحكّام، أليس لنا في ذلك كله عبرة؟ أم أننا سننتظر لصوص زماننا ليختلفوا فتُكْتب الحقيقة على ألواح الحسرات، بالرغم من أن بعضهم قد اختلف فعلاً وكُشِف مستورهم، ألا تكفي العراق واليمن وأفغانستان، كما أن التاريخ بمجمله يروي الحاضر والمستقبل.

Digital solutions by