Digital solutions by

#ما_تخبّي_احكي- "كاسة سحلب" أعادته الى الحياة... زياد: "كنت أشعر أن هناك مؤامرة تُحاك ضدّي"

5 أيلول 2018 | 15:57

المصدر: "النهار"

زياد كاج.

لم يكن زياد كاج (55 عاماً) يعرف أن هذه المشاعر المتناقضة التي تتخبط داخله بين الشعور بالسعادة المفرطة والإكتئاب دون سبب محدد ستقوده الى عالم آخر لم يسمع به من قبل. في البداية ظنّ انها مجرد تقلبات نفسية طبيعية تُرافقه في مرحلة المراهقة كأي مراهق آخر، لم يُفكر للحظة انه يعاني من مرض نفسي سيقلب حياته بين ليلة وضحاها تجعله مُعلقاً بين الواقع وغير الواقع، بين الشك واليقين و"المؤامرة الرهيبة التي كانت تُحاك ضده" وفق تعبيره.  

كان كل شيء طبيعياً، كانت حياة زياد مليئة بالمسؤوليات، حماس شاب في مطلع عمره وتجاربه في الحياة. لكن لزياد جانباً  آخر يجعله غريباً عن نفسه، في هذه السطور يروي زياد كاج قصته مع مرض اكتئاب ثنائي القطب (dépression bipolaire) وكيفية التأقلم معه ومواصلة حياته وتحقيق اهدافه.

هلوسات مؤامرة

يستعيد زياد تلك المرحلة من حياته، يعود سنوات كثيرة الى الوراء ليحدثنا عن هذا المرض النفسي الذي كان يكبر في داخله قبل ان يتواجه معه. يقول: "كنتُ أشعر في مرحلة المراهقة بتقلبات المشاعر المتطرفة من فرح عامر الى كآبة شديدة دون سبب محدد. لكن لم اخذ تلك التقلبات على محمل الجدّ، كنت أظنها من تبعيات المراهقة حالي كحال اي مراهق آخر. هكذا انتقلت من مرحلة المراهقة الى مرحلة الجامعة قبل ان يحصل الإنفجار الأول ولم أكن اتجاوز اواسط العشرينات".

في لحظة انهار كل شيء امام عينيّ زياد، فجأة وجد نفسه في المستشفى. في تلك الفترة، لم يعد زياد في صلة مع الواقع، على حد قوله "يبدأ الإنسان بالإنقطاع عن الواقع ويدخل في الهلوسات ويشعر ان هناك مؤامرة تُحاك ضده وتخونه الثقة فيبدأ يشك بالجميع. من شخص يرى نفسه مخلصاً وملكاً، تقودك أفكارك الى العلى الى شخص متوجس، يعاني من هلوسات وافكار غريبة ويشعر بالمؤامرة والإضطهاد من محيطه".

"لا تعرف حجم الصدمة التي تواجه عائلتك والأشخاص الذين يعرفونك إلا بعد ردات الفعل التي يلمسها منهم" هكذا يصف زياد ما جرى معه. برأيه "ليس سهلاً على عائلته استيعاب ما يجري، كانت معتادة على شخص عادي، مثقف ويتابع دراسته وفجأة وجدوا امامهم شخصاً مختلفاً "خارجاً عن السيطرة".

لم اعرف الشمس

في هذه الحالة، ليس سهلاً ادخال المريض الى المستشفى وإقناعه بضرورة تلقي العلاج، وهنا يؤدي الأهل دوراً مهماً واساسياً في إقناع ابنهم بأهمية العلاج والأهم انه "ليس لديهم شيء ضده".

دخل زياد الى المستشفى لمدة 10 أيام، لم تكن الأمور واضحة كما هي الحال اليوم، نحن نتحدث عن حقبة 1985. لم يكن واعياً لما يجري معه وكأنه منفصل تماماً عن الواقع. يشرح قائلاً: "كنتُ اتابع دراستي الجامعية وأخوض عملاً صحافياً وأعمل في الجامعة الأميركية وأعيش قصة حب وفجأة وجدتُ نفسي مسجوناً في هذه المستشفى".

لا يمكن ان ينسى زياد أصعب ما واجهه في تلك المرحلة، يتذكر قائلاً: "اصعب لحظة مررت فيها عندما نظرتُ الى الشمس و"ما عرفت شو هيي". إذ يصعب على الشخص الذي يعاني من اكتئاب ثنائي القطب وهو في حالة متقدمة ان يعرف المفاهيم التي اكتسبها سابقاً.

غريزة البقاء

وبينما كانت تمضي الأيام على وجوده في المستشفى، حادثة طريفة انتشلته من استسلامه للحياة. يسترجع زياد تلك الحادثة "لقد كنت أعيش على الأدوية في المستشفى دون طعام، كنت أعد ايامي وأظن انني لن اخرج من هنا مدى حياتي .وفي احد الأيام رأيتهم يقدمون شيئاً الى المرضى المجتمعين في الصف لاستلام حصتهم، كان الطبق "سحلب". كنتُ خائفاً وأنتظر دوري دون أن افهم حقيقة ما يجري. تناولت الكاسة الاولى بعد ايامِ على انقطاعي عن الطعام، وفي تلك اللحظة بالذات عادت اليّ الغريزة الإنسانية او ما يُعرف بغريزة البقاء. قررت عندها ان اعاود الوقوف في الصف واخذ كاسة ثانية. عرفت لحظتها انني خطوت الخطوة الاولى نحو الشفاء والعودة الى الحياة الطبيعية بفضل "السحلب".

إسغرقت المسألة بعض الوقت بالنسبة الى حالة زياد، إذ لا يمكن الوصول الى نتيجة سريعة إلا بعد تشخيص دقيق وصحيح لحالته. تعرف زياد الى طبيب نفسي نجح في توصيف حالته وكانت تلك المرة الاولى التي يسمع بها بهذا المرض "اكتئاب ثنائي القطب".

لا تخجل من مرضك

يشرح زياد رحلته مع المرض "بدأت رحلتي مع العلاج بالأدوية، والعودة الى الحياة العادية وحياتي المهنية. كانت مرحلة صعبة لأن العودة الى المجتمع بعد تجربة قاسية ليست بالأمر السهل. تتغيّر نظرة الناس، انت امام تحدٍ كبير لكن مع الوقت وبفضل دعم الأصدقاء والعائلة ومتابعة العلاج نجحت في مواصلة حياتي بشكل طبيعي. وانا اليوم متزوج ولدي ولدان".

لذلك اقول لكل انسان يواجه مشكلة اكتئاب ثنائي القطب ان "لا يخفي شعوره، وان لا يغض النظر عن اي تفصيل صغير مثل عدم النوم لأكثر من يومين او الشك بالأشخاص المحيطين به والشعور بوجود مؤامرة ضده، لا تخجل واستشر طبيباً او معالجاً نفسياً وصارحه بكل ما يدور في بالك حتى يتمكن من مساعدتك".

من مشاهد الى مريض

يعيش زياد اليوم حياة مستقرة، لقد ساعدته الكتابة والمطالعة كثيراً في مواصلة حياته، يميل زياد الى الكتابة والشعر وله العديد من الكتب والروايات واهمها رواية "سحلب" بمساعدة جمعية Embrace والتي تروي قصته مع مرض اكتئاب ثنائي القطب وفترة وجوده في المستشفى وتأقلمه مع الحياة الجديدة.

ويختم زياد قصته مستهشداً بمسرحية فيلم اميركي طويل التي تتحدث عن مستشفى الأمراض العقلية "كان لي الحظ ان اشاهدها ولكن لم اتوقع يوماً ان اتحول من مشاهد لمسرحية تتحدث عن الأمراض النفسية الى مريض حقيقي يعاني مرضاً نفسياً. انها لمصادفة غريبة".

*نشر المقال في اطار تعاون مع جمعية Embrace للتوعية من الانتحار.

Digital solutions by