Digital solutions by

في جمهورية الكونغو الديمقراطية مشاهدُ لن أنساها طيلة حياتي

30 آب 2018 | 21:51

الفروقات الاجتماعية بين الناس شاسعة (MSF).

"مؤثرة وجميلة" كلمتان أختصر فيهما تجربتي الأولى مع منظمة أطباء بلا حدود. اسمي سامي جرجس أبلغ من العمر 26 عامًا، حائز على إجازة في الدعاية والإعلان. قبل الانضمام إلى المنظمة عملتُ كمسؤول سلسلة التوريد في شركة بتروكيماويات. وطيلة تلك المدَّة كنت أبحثُ عن فرصة تمكنني من وضع خبراتي في مكان أفضل من ذاك الذي كنت أتواجد فيه. "لا تملك خبرة العمل في الميدان" كانت إجابة المنظمات المحلية التي سعيت إلى الانضمام إليها. لكنْ خلال بحثي عبر مواقع التوظيف الإلكترونية وجدت إعلان عمل مع منظمة أطباء بلا حدود. كنت قد سمعتُ عن المنظمة الكثير وبعدها بدأت بالقراءة عنها، دورها، أهدافها ومشاريعها. فوجدت نفسي أقرب إليها من غيرها من المنظمات الدولية، فهي طبية إنسانية وبعيدة من الأجندات السياسية والاصطفافات.

أرسلتُ سيرتي الذاتية عبر الموقع الالكتروني الخاص بالتوظيف، رغبةً مني في الانضمام إلى فريق عملها. وبعد أشهر، وصلتني رسالة القبول. للوهلة الأولى تفاجأت، ثمَّ أخبرت والدتي- وهي التي كانت تدرك جيداً رغبتي بعدم الاستمرار في العمل في القطاع الخاص في لبنان- ثمَّ اتصلت بأصدقائي وأعلمتهم بحماس عن انضمامي إلى المنظمة.

من لبنان إلى كينشاسا

كانت الوظيفة تتطلب أن أكون مسؤولاً عن التوريد واللوجستيات في مشروع منظمة أطباء بلا حدود في جمهورية الكونغو الديمقراطية. يوم علمتُ أني سأسافر إلى الكونغو فرحتُ كثيراً إذ لطالما رغبت في زيارة هذا البلد. قبل انتقالي إلى هناك، قرأت أكثر عن الوضعين السياسي والصحي، ورغم كل ما علمته كنت متحمساً جداً.

 توجهت من مطار بيروت إلى العاصمة الكونغولية كينشاسا، تخللها انتظار في اسطنبول. قادتنا السيارة على طرق وعرة من المطار وصولاً إلى مكان إقامتي، رأيتُ ما سبق أن شاهدته ضمن وثائقيات عن البلد في الإعلام وعبر مواقع التواصل الاجتماعي من معاناة اقتصادية، وفروقات اجتماعية. أناسٌ لا يعيشون في منازل، سوء التغذية منتشر كما الأوبئة، إضافةً إلى الوضع السياسي المتغير الذي نسمع الكثير عنه في النشرات الإخبارية. ما رأيته بعيناي كان له وقعٌ مختلف. ولكنَّ كرم السكان في هذا البلد ومحبة الموظفين المحليين، جعلتني أشعر بأني أعيش ضمن عائلة كبرى، يرحب بكَ الجميع من اليوم الأول ما يتيح الاندماج بشكل أسرع!

تتوافر في كينشاسا مستلزمات الحياة كافة، ولكن الفروقات الاجتماعية بين الناس القاطنين فيها وبين سكان الضواحي والأرياف شاسعة. في هذه المناطق، الناس عُرضة للضرب والاعتداء والموت أكثر على يد مجموعات مسلحة تقتحم القرى جراء صراعات عرقية - سياسية أو لأهدافٍ مادية.

تعمل المنظمة في جمهورية الكونغو الديمقراطية منذ 35 عاماً حيث توفر الرعاية الصحية لضحايا النزاع والعنف وللنازحين، ولمَن يعانون من الأوبئة والأمراض المتوطنة كمرضى فيروس نقص المناعة البشرية/متلازمة نقص المناعة المكتسب. كما يستقبل مركز طوارئ الكونغو، وهو فريق طوارئ من منظمة أطباء بلا حدود، حالات طارئة من سوءِ التغذية والحصبة والكوليرا، الناجمة من ضعف البنى التحتية والخدمات الصحية غير الملائمة، التي لا تستطيع الوقاية من تفشّي الأمراض أو الاستجابة لها.

لحظات مؤثرة ترسخ في ذاكرتي

بعد وصولي، استلمتُ مهامي كمدير الخدمات اللوجستية وسلسلة التوريد في مركز منظمة أطباء بلا حدود وارتكز دوري على متابعة سير العمل في قسم سلسلة التوريد، وإدارة الخدمات اللوجستية والمخزون الطبي، كما العناية بجميع الشحنات الواردة أو الصادرة، والتنسيق بين المشاريع الأخرى مع احترام قواعد منظمة أطباء بلا حدود. إلى ذلك، كنت مسؤولاً عن تطوير قدرات الفريق وضمان قيام طاقم العمل بدورهم، إضافة إلى الإشراف على جميع أنشطة التوريد في القاعدة والمستشفى والمستودعات.

كنت أزور مستشفى أطباء بلا حدود في كانانغا (كانت تعرف مسبقا بلولوابورغ وهي عاصمة مقاطعة لولوا في جمهورية الكونغو الديمقراطية) مرة واحدة في الأسبوع للتأكد من عدم وجود أي نقص في التجهيزات التي يحتاجها الفريق الطبي العامل هناك. كانت تلك المرة الأولى التي أرى فيها أطفالاً يعانون من سوء التغذية أو جرحى اعتداءات عنف.

أذكرُ تماماً يوم وصلَت فتاة تبلغ من العمر خمس سنوات إلى مستشفى أطباء بلا حدود وقد تعرضت لضرب بآلةٍ حادة على رأسها، أُجريَت لها الإسعافات اللازمة غير أنها لم تنجو. فكنتُ أنا الشخص المسؤول عن تحضير الأوراق الرسمية لإجراءات الدفن، كما تواجدت يوم وريت في الثرى، إنها تجربة مؤلمة بالنسبة إلي لا أرغب في التفكير فيها.

ومن اللحظات الأخرى المؤلمة، تلك التي كنت أقوم خلالها في جولة داخل المستشفى، عندما دخلت إلى إحدى الغرف ورأيت طفلاً يرقد على السرير، طوله 50 سنتمتراً ووزنه 16 كيلوغراماً، نحيل جداً حيث تشعر عند رؤيته أنَّ الجلد ملتصقٌ تماماً بالجسم، سألتُ الممرضة عن عمره، "سنتان؟" فأجابت أكثر، فقلت لها كم عمره إذاً؟ فقالت 10 سنوات. سبقَ أن شاهدت حالات سوء تغذية من خلال فيديوهات ووثائقيات، ولكنها المرة الأولى التي أراها أمام عينايَ وقد آلمني ذلك حقاً! كان الطفل يتيماً بلا أهل، مرمياً إلى جانب أحد الطرق، وقد نقله أحد الاشخاص إلى مستشفى المنظمة ليحصل على الرعاية اللازمة. وبمرور الأسابيع باتت صحته تتحسن، وبدأ يتناول الطعام بشكل سليم، وصار أكثر ابتساماً وتفاعلاً معي بعدما صرتُ اذهب لرؤيته أسبوعياً.



مفهوم الفقر تغيَّر في ذهني

سوء التغذية موجود بكثرة في جمهورية الكونغو الديمقراطية نظراً للوضع الاقتصادي الصعب، كما الكوليرا، والملاريا وإيبولا. ورغم كل ذلك، أشعر أنَّ عملي له دورٌ وهدف، أقوم بأشياء لها ضرورة وذات أهمية، وأساهم في مساعدة أناس هم في أمسِّ الحاجة إلى المساعدة. إلى جانب ذلك، طوّرت هذه التجربة شخصيتي، كما بدَّلت مفهوم الفقر في ذهني، صحيح أننا نرى في لبنان عائلات فقيرة، ولكن الحالات لا يمكن مقارنتها بتاتاً بما نراه في الكونغو. لم أعُد أولي أهمية للأمور المادية، وهي لم تكن تعنيني سابقاً، غير أني الآن بتُ أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والحاجة الذي اختلف كلياً بالنسبة إليَّ.

عائلةٌ واحدة

منذ لحظة لقائي بفريق العمل في مشروع منظمة أطباء بلا حدود شعرتُ بأنني فردٌ منهم، إذ إنَّ ترحيبهم بالأشخاص الجدد يُسهل اندماجنا معهم ويخفف عنا البُعد عن الأهل. أشهر أمضيتها مع عائلتي الجديدة، نتحدث سوياً طيلة أيام وساعات العمل كما في أيام إجازاتنا الأسبوعية. لكنَّ أكثر ما تأخرت في التأقلم معه كان عبارة "بابا" و"ماما"، في عاداتنا ترتبط هذه التسمية بالأهل، أما في جمهورية الكونغو الديمقراطية فمتداولة للتوجه إلى الشخص الأكبر سناً وتعتمد من باب الاحترام والتقرب منه. بضعة أشهر لا يُمكنها اختصار تجربة كاملة، وأنا متأكد من أنَّ الأيام المقبلة تخبئ لي الكثير من القصص.




Digital solutions by