Digital solutions by

العبثيات الثلاث: الطبقة السياسية والتأليف والمصطلحات اللاديموقراطية

17 آب 2018 | 17:06

المصدر: "النهار"

تترافق عملية تشكيل الحكومة، أو على الأصح عملية العجز عن تشكيلها، مع إطلاق الطبقة السياسية تشكيلة من المصطلحات اللاديموقراطية. 

نتوقف عند بعض هذه المصطلحات.

مصطلح "حكومة العهد الأولى"

المصطلح الأول هو "حكومة العهد الاولى"، الذي يقصد منه الاشارة إلى حكم رئيس الجمهورية بواسطة الحكومة. ويقال ايضا "ضد العهد او معه".

يُستخدم هذا المصطلح عادة في الأنظمة الرئاسية او الملكية. فماذا تعني كلمة "العهد" في نظام سياسي برلماني تضطلع فيه الحكومة مجتمعة بمسؤولية السلطة التنفيذية؟

يصبح المصطلح في هذا النظام مجردا من اي مدلول دستوري فعلي، وتنحصر ترجمته السياسية في حجم التمثيل النيابي لرئيس الجمهورية وفي حجم تحالفاته.

مصطلح "الحصة الوزارية"

يبدو مصطلح "الحصة الوزارية" المستند إلى حجم الكتل النيابية مقبولا من المنظور الديموقراطي. لكن تطبيقه على أيدي الطرفين المتنازعين لا يعكس حرصا ديموقراطيا.

طرف يريد تطبيقه على كتل وحجبه عن كتل أخرى. وطرف يريد تطبيقه على الكتل كافةً من دون استثناء، لكن مع حجز حصة اضافية لرئيس الجمهورية بغض النظر عن حصة كتلة "التيار" الذي يمثله.

لهذه الأسباب مجتمعة يفقد مصطلح "الحصة الوزارية" معناه الديموقراطي ويصبح اقرب إلى تعريف "الحصة" في المعاجم، اي "نصيب او قسط او سهم او مقدار". ولعل مفهوم الطبقة السياسية لـ"الحصة الوزارية" هو مزيج من هذه المعاني ذات المدلول الاقطاعي او الرأسمالي.

مصطلح "الوزارة السيادية"

يُطلق على بعض الوزارات من مثل المال والخارجية والدفاع والداخلية، مصطلح "وزارات سيادية". اي انه يجري من خلالها المحافظة على سيادة الوطن.

المفارقة الاولى ان جميع هذه الوزارات غير سيادية في الواقع الحالى للبنان، بل هي تُدار بتوجيهاتٍ من قوى خارجية، أكانت هذه القوى دولا أم بنوكا. ولربما كان الصراع السياسي الحاد على هذه الوزارات هو لطمأنة الاسياد الفعليين بواسطة ممثليهم المحليين.

اما المفارقة الثانية فأن الوزارات الأخرى هي التي يجب وصفها بالسيادية، لأنها تخضع مباشرة لاحتياجات المواطنين ومطالباتهم، اي للاسياد الدستوريين، من مثل وزارات التربية والصحة والعمل والبئية والمرأة والشؤون الاجتماعية. ولربما كان احتقار هذه الوزارات على أيدي السياسيين هو بسبب احتقارهم الضمني لسيادة المواطنين.

مصطلح "حكومة أكثرية ممانعة"

لا شك في ان حكومة الأكثرية النيابية هي صيغة حكم ديموقراطية. لكن التجربة التاريخية الحديثة في لبنان دلت على ان هذا النوع من الحكومات خضع لإملاءات الأقلية في حينه.

هذه الأقلية أصبحت اليوم اكثرية ومن حقها الديموقراطي ان تؤلف حكومة. لكن الجهة التي تطرح حكومة الأكثرية ترفقها بكلمة "ممانعة"، فيصبح المصطلح "حكومة اكثرية ممانعة". كلمة "ممانعة" تشير إلى محور إقليمي معيّن.

مشكلة هذا الطرح تتمثل في تفريغ مصطلح حكومة الأكثرية من محتواه الديموقراطي الداخلي.

ليس فقط بسبب ربطه بمحتوى إقليمي. بل ايضا لأن "الممانعة" في أصلها هي مقاومة مشروع هيمنة خارجية. فماذا يصبح دور "الممانعة" بعدما انتصر مشروعها الاقليمي وامسكت هي بالسلطة في لبنان؟ استبقاء اسمها ودورها على رغم ذلك، يعني عمليا ممانعة إي تغيير مستقبلي. تالياً، نسف الفكرة الديموقراطية لحكومة الأكثرية من أساسها، التي تقوم على معارضة الأقلية واحتمال تداول السلطة.

تستمد كل هذه المصطلحات السياسية مصادرها من الواقع اللاديموقراطي الذي يجري إنتاجها في اطاره.

فإذا كانت الديموقراطية هي الآلية التي يتم من خلالها تكوين السلطة وتنظيم تداولها، فإن تغييب الديموقراطية بفعل عامل تبعية جميع الأطراف المعنيين للخارج، بالاضافة الى عاملي السلاح والمحاصصة المذهبية، تجعل هذه السلطة رهينة تقاطع هذه العوامل مجتمعة.

لذلك تبدو مسألة تأليف الحكومة شأناً عبثيا لا اساس له ولا قواعد. عبثية تنتج مصطلحات بائسة شبيهة بالطبقة السياسية التي تفبركها.

أما المواطنون، الذين انتخبوا او الذين قاطعوا، فيتفرجون بسلبية تامة على هذه المهزلة.

كذلك تفعل ايضا القوى"المدنية" التي خاضت الانتخابات النيابية كبديل من الطبقة السياسية الحالية، وتلتزم الصمت حيال عملية التأليف، آليةً وخطاباً ونتائج محتملة.

مع العلم ان تعثر تأليف الحكومة هو مناسبة مهمة لقوى المعارضة السياسية المستقلة، للتركيز على عجز الطبقة السياسية الحالية عن تكوين السلطة والحكم، وعجزها تالياً عن الاضطلاع بمسؤوليلتها الوطنية المتراكمة.

فبناء المعارضة السياسية يتطلب مواكبة المراحل المفصلية والتفصيلية في ممارسات السلطة، واتخاذ المواقف المستقلة والجريئة منها، بغية مراكمة الوعي الشعبي والقدرات التنظيمية المناسبة، استعدادا للاستحقاقات الديموقراطية المقبلة.

Digital solutions by